د. إبراهيم بن جلال فضلون
«حين تتكلم السياسة بصوت أعلى من الاقتصاد.. تدفع الأسواق الفاتورة».. جملتان تترددان في أروقة المال العالمية، يمكن تلخيص جوهر الصراع الدائر اليوم بين الشعبوى دونالد ترامب والفيدرالي جيروم باول، صراع لا يدور حول شخصين بقدر ما يدور حول فلسفتين: الأولى ترى الاقتصاد أداة سياسية آنية، والثانية تعتبره علمًا تراكميًا تحكمه القواعد والمؤسسات، التي لا تجامل فيها الأرقام عالم السياسة، لأن الأسواق المالية ببساطة لا تُصغي للخطب، بل للأرقام، فمع أول إشارة تهديد لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، سجّلت الأسواق واحدة من أسرع موجات إعادة تسعير للمخاطر خلال عام واحد، وتراجع الدولار أمام سلة العملات الرئيسية بنسب تراوحت بين 0.3 % و0.6 % خلال جلسة واحدة، وهو تحرك يُعد كبيرًا في سوق العملات. وفي المقابل، قفزت الأصول الآمنة بشكل متزامن، في دلالة كلاسيكية على فقدان الثقة المؤقت في السياسة النقدية. أما مؤشرات الأسهم الأمريكية، فقد شهدت تذبذبًا حادًا داخل الجلسة الواحدة تجاوز 1 % صعودًا وهبوطًا، قبل أن تغلق على مكاسب محدودة. هذا السلوك يعكس معادلة دقيقة: لا انهيار لأن الاقتصاد الحقيقي لا يزال متماسكًا، ولا اطمئنان كامل لأن الخطر هذه المرة مؤسسي وليس دوريًا.
لتُشعل السياسة أسعار النفط والمعادن، مرتفعة أسعار النفط بنحو 7 % خلال أسابيع قليلة، ليست بسبب نقص فعلي في المعروض، بل نتيجة عاملين متداخلين: ضعف الدولار، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالسياسة الأمريكية، أما الذهب، فقد تجاوز مستويات تاريخية، مقتربًا من حاجز 4600 دولار للأوقية، وهو مستوى لم يكن ليتحقق لولا اجتماع ثلاثة عناصر: (خوف سياسي، شك نقدي، وسيولة عالمية تبحث عن ملاذ).
اللافت أن الارتفاع لم يقتصر على الذهب، بل شمل الفضة والنحاس، ما يشير إلى أن المستثمرين لا يتحوطون فقط من الأزمة، بل يعيدون تسعير مستقبل السياسة النقدية الأمريكية بالكامل.
والسؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا يخاف العالم من استقلالية البنك المركزي؟!. إنها ليست شعارًا أكاديميًا، بل نتيجة تاريخ طويل من الأزمات، فوفق الإحصائيات أن الدول التي فقدت استقلالية بنوكها المركزية شهدت تضخمًا أعلى بمعدل يتراوح بين 3 و6 نقاط مئوية مقارنة بنظيراتها المستقلة، وانخفاضًا في تدفقات الاستثمار الأجنبي تجاوز 20 % خلال فترات قصيرة. وبالتالي فإن الولايات المتحدة بنت سمعتها النقدية على قاعدة واحدة: «البيت الأبيض يغيّر السياسات.. والفيدرالي يحمي العملة». وأي خلل في هذه المعادلة لا يضر أمريكا وحدها، بل يربك النظام المالي العالمي الذي يعتمد على الدولار كمرتكز للتسعير والاحتياط.
أما عن الخلاف للصدام، فمسار العلاقة بين الشخصيتين (ترامب وباول)، الذي عينه الأول امتدحه علنًا، لم ينقلب عليه إلا عندما اصطدمت استقلالية الفيدرالي بطموحاته السياسية. فرغم خفض الفائدة ثلاث مرات خلال عام واحد، بإجمالي 75 نقطة أساس، اعتبر ترامب ذلك «غير كافٍ»، لأنه كان يريد سياسة نقدية تُدار بعقلية انتخابية، لا اقتصادية، وهذا التحول من الثناء إلى الهجوم يعكس حقيقة أعمق: (السياسي يرى الفائدة رقمًا، والاقتصادي يراها أداة لها ثمن مستقبلي).
هنا تأتي الحيرة، من يقود الفيدرالي غدًا؟ فالمنافسة المحتدمة على رئاسة الاحتياطي الفيدرالي بين شخصيات تميل لخفض الفائدة تعني أن المعركة لم تنتهِ بعد. واختيار رئيس جديد أكثر مرونة سياسيًا قد يدفع الأسواق للارتفاع مؤقتًا، لكنه في المقابل يرفع علاوة المخاطر على الدولار والسندات الأمريكية.. والسؤال الحقيقي ليس: من سيخفض الفائدة؟، بل: من سيضع حدود السياسة أمام النقد؟.
وقفة: «العملة القوية لا تحتاج إلى رئيس قوي.. بل إلى مؤسسة لا تخضع له». فما يجري اليوم ليس معركة شخصية، بل اختبار عالمي لاستقلال أخطر بنك مركزي في العالم. قد لا ينجح الضغط السياسي في كسر الفيدرالي الآن، لكنه يترك أثرًا تراكميًا يدفع الأسواق إلى إعادة التفكير في المسلمات القديمة.