د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
اعتمدت السعودية في رؤيتها بالرهان على الحجم والقوة التي تمتلكها لبناء مستقبل مستدام لأضخم تحول اقتصادي مستدام في التاريخ الحديث، سباق محموم مع الزمن لإعادة برمجة كاملة لهوية أمة.
لقرن من الزمان حول النفط الصحراء في السعودية إلى ثورة، وبنى المدن التي ارتبط اسم السعودية بقلب الطاقة العالمي النابض، لكن لا يمكن أن ترهن السعودية مستقبلها بمورد واحد غير مستدام، وأن شهية العالم للطاقة التقليدية قد تتغير، وفي مواجهة هذا التحدي الوجودي كان أمام السعودية قيادة قاطرة نمو جديدة.
وقد مرت بالسعودية صدمات نفطية في منتصف الثمانينات وبين عامي 1998، 1999 من القرن الماضي وبين عامي 2015، 2016 وصلت أسعار النفط أقل من 40 دولاراً للبرميل بإيرادات بلغت نحو 89 مليار دولارن ارتفعت الإيرادات في 2022 نحو 334 مليار دولار، فيما كانت إيرادات 2025 نحو 200 مليار دولار، واستحوذت إيرادات الميزانية العامة للسعودية طيلة السنوات الـ الأخيرة تقترب من حصة 73.3 %، بلغت أعلاها في 2011 بنحو 92.5 % من إجمالي دخل الميزانية في حين كانت أقل نسبة بالتزامن مع أزمة كورونا عام 2020 بنحو 52.8 % .
لم تستسلم السعودية خصوصاً بعدما اكتشفت منذ 2004 أن هناك خطأً هيكلياً لا يمكن أن يستمر ولا يمكن الاستسلام لصدمات أسعار النفط خصوصاً في عالم شديد التغير، اتجهت وبشكل خاص في 2016 بتنويع اقتصادها من خلال رؤية 2030 عبر هندسة الاقتصاد من جذوره، وإعادة هيكلة قطاعات بأكملها، اختارت المشاريع العملاقة بدلاً من الإصلاحات الجزئية، واستحداث 37 نشاطاً غير نفطي، إنها ثورة هادئة تغير تعريف السعودية إقليمياً وعالمياً وتتحول إلى ماكينة الشرق الأوسط.
قطفت السعودية ثمار هذه الرؤية عبر قطاعات تخفف من صدمات النفط، تعتبر من أكبر نجاحات الرؤية، وتتجه السعودية بثبات نحو اقتصاد متنوع ساهم في ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية من 35.8 % في بداية الرؤية 2016 إلى 45.9 % في 2025 وفق بيانات وزارة المالية السعودية.
يظل النفط محركاً اقتصادياً لاستكمال المشاريع الضخمة، خصوصاً أن السعودية تمسكت بالخطط التوسعية للإنفاق في 2025 سجل عجز يقدر بـ245 مليار ريال مقابل 101 مليار ريال المستهدف قبل عام أي بزيادة 143 %، حيث فضلت الحكومة زيادة العجز وتمويله عبر الاقتراض فضلاً عن خفض الإنفاق والتراجع عن الخطط التوسعية وما يتبعه من انكماش للاقتصاد السعودي، وتظهر البيانات ارتفاع الإنفاق المستهدف من 1285 مليار ريال إلى 1336 مليار ريال، فيما انخفضت الإيرادات من المستهدف في الميزانية من 1184 مليار ريال إلى 1091 مليار ريال.
إن مصدر العجز الفعلي المتحقق يعود إلى انخفاض في الإيرادات بقيمة 93 مليار ريال وزيادة في النفقات بنحو 51 مليار ريال، في ظل ما تشهده السعودية من مشاريع كبرى في مرحلة الإنشاء تتأخر عوائدها لموعد الانطلاق، وبالتالي حافظت الحكومة على أداة تحفيزية مهمة للاقتصاد السعودي وهي استمرار الإنفاق الرأسمالي والاستثماري سيحقق عائداً اقتصادياً يفوق تكلفة الاستدانة لتغطيته خصوصاً في مشاريع ذات أولوية بما يحقق مستهدفات الرؤية دون الارتباط بتقلبات الدورة الاقتصادية، في ظل رؤية وعمل مخطط لواحد من أكبر اقتصاديات العالم.
تم اعتماد المصروفات العامة بـ1312.8 مليار ريال في عام 2026 وقدرت الإيرادات العامة بـ1147.4 مليار ريال، أي بعجز متوقع يبلغ 165.4 مليار ريال، وكان أكبر عجز في عام 2015 بـ389 مليار ريال واستمر العجز بشكل متفاوت ما عدا عام 2022 كان هناك فائض 104 مليار ريال.
مع ذلك تتمتع السعودية بوضع مالي قوي خاصة مع وجود حيز مالي مرن يتمثل في احتياطيات مالية كبيرة ومستويات دين مستدامة تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام.
وقد شكل التراجع في أسعار النفط العالمية أبرز الضغوط التي واجهتها إيرادات الميزانية السعودية في 2025 وسط استمرار تخفيضات الإنتاج من قبل أوبك+، إضافة إلى التقلبات السياسية والاقتصادية العالمية أبرزها السياسات التجارية التي طبقتها إدارة ترامب وأحدثت اضطرابات في تدفقات التجارة العالمية وضغطت على أسعار النفط وأثرت أيضاً على الصادرات غير النفطية للسعودية.
ووفق بنك باركليز من المتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 65 دولاراً للبرميل في 2026، ويتوقع البنك وجود فائض قدره 1.9 مليون برميل يومياً، ولكن المخزونات ما زالت منخفضة ولا تزال التوترات الجيوسياسية قد ترفع الأسعار للصعود وفقاً لرويترز.
يخطط تحالف أوبك+ لوقف رفع الإنتاج مؤقتاً في الربع الأول من عام 2026 وسط توقعات واسعة النطاق بتخمة المعروض، فيما أشارت بيانات منظمة أوبك إلى أن مستوى المعروض العالمي من النفط سيتقارب مع مستوى الطلب في 2026، وهي توقعات تتناقض مع توقعات وكالة الطاقة الدولية وغيرها من التوقعات بوجود تخمة هائلة في المعروض.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقاً