د.عبدالله بن موسى الطاير
أحدثت ثورة الاتصال، وبخاصة منصات التواصل الاجتماعي، هلعاً جماعياً عابراً للغات والحدود، والمعتقدات. السؤال عن المجهول القادم يشغل الأذهان وإن لم تتناقله الأصوات والحروف، إنه هناك في كل زاوية إنسانية، يوجه الدوافع والأماني ويتلاعب بالمشاعر في صمت أحيانا وصخب في أحايين أخرى. هل ستكون هناك حرب ثالثة؟ وهل هي الحرب التي ستعيد البشرية إلى ما قبل عصر الصناعة؟ وإلى أي مدى تتشابه فوضى النظام العالمي المعاصر مع تلك التي ضربته فيما بين الحربين الأولى والثانية؟
نبدأ من الأخير، هناك أوجه شبه بين الفوضى متعددة الأقطاب التي نشهدها اليوم وبين فترة ما بين الحربين العالميتين (1919-1939). حينئذ؛ انهارت عصبة الأمم، ولم تكن حصنا منيعا ضد الحروب المستقبلية كما أريد لها. غزت اليابان منشوريا الصينية، وغزت إيطاليا إثيوبيا، واجتاح هتلر منطقة الراين، وساهم ضعف العصبة، وامتناع الأعضاء عن التدخل، وبالتأكيد لم تكن أمريكا عضواً في عصبة الأمم، إلى جانب عوامل أخرى كآثار الكساد الاقتصادي والتنافس على الموارد، في التصعيد ليصل العالم إلى الحرب العالمية الثانية. اليوم، تواجه الأمم المتحدة، التي تشكلت في الأساس، لتجنب الوصول إلى حرب ثالثة، اتهامات بالعجز وعدم التوافق وبخاصة في مجلس الأمن الذي بيده الفصل السابع. ومع استمرار الصراعات والتنافس العالمي، والتصرف خارج الشرعية الدولية، وتصاعد الاستفزازات، وسياسة حافة الهاوية النووية، يخشى العديد من المحللين من أن تؤدي نقاط الضعف الهيكلية في الأمم المتحدة وبقية المحفزات إلى إشعال فتيل حرب عالمية ثالثة.
الشلل الذي أصاب به حق النقض (الفيتو) مجلس الأمن حوّل الدول صاحبة هذا الحق من مسؤولة عن الأمن والسلم العالميين إلى متنافسة وفق أجنداتها الوطنية، وخدمة حلفائها، وليحترق البقية.
تبرز مواقف الدول دائمة العضوية على نحو غير مسؤول في الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب إسرائيل على غزة، وعلى إيران، والوضع في السودان، والعمليات التي تقودها الولايات المتحدة في منطقة الكاريبي، في نزعة أحادية على حساب التوافق متعدد الأطراف، مما أضعف سلطة الأمم المتحدة بشكل أكبر.
وبما أننا نستكشف أوجه التشابه في فترة ما بين الحربين والوضع الراهن للنظام العالمي، فلا يزال وقف إطلاق النار في غزة رغم هشاشته قائما، وقد فاقم حظر إسرائيل لعشرات منظمات الإغاثة الدولية الأزمة الإنسانية، في حين تستمر الاشتباكات المتفرقة وتأخير إعادة الإعمار. وفي حين تتقدم جهود نزع سلاح حزب الله في لبنان بشكل تدريجي، تواصل الغارات الجوية الإسرائيلية استهداف سيادة لبنان وسوريا. ونشطت الحروب بالوكالة في الشرق الأوسط على نحو يفقد الدول سيطرتها ويهدد أمنها وسيادتها على أراضيها، كل هذه الأحداث والنشاطات تعيد إلى المشهد المعاصر ديناميكيات النزعة العسكرية الجامحة في فترة ما بين الحربين.
إلى جانب عجز مجلس الأمن، وتصرف الدول عسكرياً بشكل انفرادي، واستمرار الفاعلين بالوكالة في تهديد سيادة الدول والأمن والسلم العالمي، تفاقم الاضطرابات الاقتصادية والتكنولوجية حالة عدم الاستقرار؛ فالتضخم الذي أعقب جائحة كوفيد-19 لا زال يضرب اقتصادات مهمة في مقتل، والحروب التجارية، وبخاصة التعرفات الجمركية، وصدمات الطاقة، تحاكي دور الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن العشرين، وتحفز ثقافة التوسع والعدوان.
كل حسابات المخاطر تهون إلا تلك المتعلقة بالتهديدات النووية؛ فانتهاء معاهدة ستارت الجديدة التي تمثل آخر ركيزة قانونية للحد من الأسلحة النووية الإستراتيجية بين أمريكا وروسيا، يعتبر من أخطر التطورات في مجال الاستقرار النووي العالمي منذ عقود.
درس ما بين الحربين بليغ جداً، فانهيار المؤسسات الدولية يحدث عندما يضعف العزم على الإنفاذ والالتزام، والحروب بالوكالة، والتهديدات النووية، وبؤر التوتر الممتدة من الكاريبي إلى المحيطين الهندي والهادئ تجعل العالم يقترب أكثر فأكثر من كارثة محققة.
ومع ذلك، فإنه ليس من المبالغة أن سوء المنقلب الذي ينتظر البشرية ليس أمراً محتوماً، ولا يجب أن يؤدي التشابه بين فوضى النظام الدولي الحالي وذلك الذي كان قائماً في فترة ما بين الحربين إلى التسليم بأن الحرب واقعة لا محالة. صحيح أنه تشابه مخيف، إلا أن الحوكمة العالمية الحالية أكثر مؤسساتية ومرونة وتحملاً للصدمات، وانصراف دولة عضو في مجلس الأمن للتصرف منفردة لا يعني أن بقية الفاعلين قد تخلوا عن النظام. كما أن المخاطر النووية هي نفسها المطمئنات، فالردع النووي من أكثر ضوابط الصراع بين الدول لأنها تعرف أكثر من غيرها النتائج الوخيمة على الجميع.