محمد عادل
يعد أهل كيرالا من المجتمعات التي تحاول دائماً أن تشد وثاق العلاقة باللغة العربية. ودليلاً على هذا الاهتمام، تتقدم المعاهد والأكاديميات بخطوات تواكب متطلبات الزمن المعاصر في تعليم اللغة العربية، بداية من إضافة تغييرات مناسبة في المناهج التعليمية إلى أن تستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي بحد كبير. ومع ذلك، تتغير النزعات والاهتمامات في المتعلّمين حتى تجد الكثيرين منهم يتساءلون عن العائد المادي من دراسة اللغة العربية عند وقوفهم على عتبات هذه الأكاديميات. فيضطر أصحابها إلى تلبية احتياجات الطلاب العملية والمهنية على وجه الخصوص. ومن أبرز هذه الاحتياجات اليوم تنمية مهارة الفهم والتكلم بأهم اللهجات العربية. ولذا، ينضم عدد كبير من الدارسين إلى دورات مكثفة أو الورشات التدريبية التي تنظمها أكاديميات اللغة لتعلم لهجات تتعلق بمجالات عملهم أو يقتضيها مقامهم المهني، رغبة في إتقانها فهماً وتحدثاً، حتى وإن كانت عندهم مهارة في فهم وتكلّم اللغة العربية الفصحى.
لم تكن في كيرالا نشاطات تذكر لتعليم اللهجات من قبل الأكاديميات إلا في السنوات الأخيرة، لأن من كانوا يتعلمون العربية هم الذين يلتحقون بدروس المساجد أو الكليات الدينية أو الكليات التابعة لإحدى الجامعات المرموقة، ويبدئون دراسة اللغة العربية الفصحى من كتب النحو والصرف ثم يتدرجون إلى المراحل المتقدمة في إتقان مهاراتها المختلفة، حيث كانوا يعتقدون أن اللهجات هي انحرافات عن اللغة العربية الفصحى وأنها لا تستحق الاهتمام غير أنها تعيق تعاملهم بالفصحى واستعمالها.
ورغم أنهم يتخذون هذا الموقف تجاه اللغة العربية، يديرون ظهورهم أو يهربون من إجراء هذا الموقف تجاه لغتهم الأم المليالمية أو المليبارية عند نطقها بصيغتها الفصيحة، إذ توفرت لديهم عدة لهجات مليالمية في مناطق كيرالا أو مقاطعاتها المختلفة، وذلك بأن كيرالا تضم 14 مقاطعة ويتحدث سكان كل مقاطعة بلهجتهم الخاصة، حتى ليكاد من يعيشون في أجزاء مختلفة في مقاطعة واحدة يتكلمون لهجات تظهر بينها بعض الاختلافات في نطقها وسماتها الصوتية.
ولا أريد لوم هذه الحقيقة ولا أصفها سخرية أو تناقضا، بل إنها ظاهرة يعتاد وجودها في كل لغات العالم، إذ لا يمكن اختزال أي لغة في أسلوبها الفصيح وحده أو لا يمكن أن نحكم بأن هذا صحيح وذاك خطأ. فبدلا من دخول هذه الفوضى، يجدر بنا الاعتراف بأن اللغة عند الناس هي ما يتكلمون بها أو يعبرون بها عن مشاعرهم وأفكارهم في حياتهم اليومية، وهو ما ينسجم مع تعريف ابن جني للغة بأنها: «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم».
لكن اليوم تغيرت هذه النزعة تماما بما أن من يجيدون اللغة الفصحى وهم في الوقت نفسه يحاولون لتفهم اللهجات عبر وسائل متعددة، لأنهم عرفوا أهميتها بما أنها تعتبر فروع اللغة العربية الأم، ثم هي اللغة التي يتواصل بها العامة ويتحادث بها الناس في الأسواق وعلى محادثات الهاتف وسوى ذلك من ضروب التواصل اللفظي، بينما تعد الفصحى لغة للعلوم والدراسة والمخاطبات الرسمية. ومع ذلك، إنهم يرون إليها وسيلة للتواصل الفعال مع العرب وفرصة لتطوير مهارات الاتصال في مجالاتهم المهنية التي تتطلب النقاشات والحوارات مع متحدثين عرب ينتمون إلى دول عربية مختلفة ويتكلمون بلهجاتهم المحلية.
وعند التحدث معهم، يفضلون من يلمّ بلغتهم وثقافتهم، غير أن ثقافتهم وطبيعتهم لا يمكن الإحاطة بها إلا من خلال فهم اللغة التي يتحدثون بها ويستعملونها في حياتهم اليومية. إذن، لا يمكن وضع اللهجات في جانب واللغة العربية الفصحى في جانب آخر، بل تمثل اللهجات جزء منها أو لونا من ألوانها أو صفة من صفاتها، كما يعرّفها إبراهيم أنيس رائد الدراسات اللغوية العربية في مصر ويبيِّن الصلة بين اللغة واللهجة بقوله «هي مجموعة من الصفات اللغوية، تنتمي إلى بيئة خاصة، ويشترك في هذه الصفات جميع أفراد هذه البيئة، وبيئة اللهجة هي جزء من بيئة أوسع وأشمل».
ولا تتوقف الإشكالية عند الاعتراف بأهمية اللهجات فحسب، بل يواجهنا السؤال عن تدريس اللهجات لغير الناطقين بها. إن طائفة من الباحثين والأكاديميين يرون تدريسها خطرا وإفسادا على اللغة العربية ولا يرون أنها جديرة بالدراسة. وترى طائفة أخرى أن تدريس اللهجات يخدم الفصحى ويفتح أبوابا إلى آفاق أوسع في عالم اللغة. ويتفق الدكتور بندر الغميز مع الطائفة الثانية، إذ يرى بوصفه أستاذا مساعدا للغويات التطبيقية في معهد اللغويات العربية في الرياض، أن اللغة العربية لا توضع نهائيا في قالب الفصحى وحدها التي لا تلعب دورا بارزا في الحياة اليومية المجتمعية بين الناس، فدورها مهم ولكنه مقتصر على المناسبات والخطب الرسمية والمنصات التعليمية ووسائل الإعلام وغيرها. إذن علينا أن نثني المجهودات المبذولة في تعليم اللهجة وتعلمها بدل أن نتخذ موقفاً معارضاً بدافع وهمنا وهمّنا في إفساد الفصحى أو إضعافها.
** **
- كاتب وباحث هندي