تَزخَر بلدة الدَلَم بالكثير من الأوقاف القديمة؛ فقد كانت هذه البلدة قديمًا هي كبرى بلدان الخرج وكان فيها كثرة الناس قبل استحداث مدينة السَّيح المعروفة، وبعض هذه الأوقاف معلومٌ قائم لا يزال، وبعضها الآخر نُسي بالكليّة مع تطاول الأزمان أو كاد، وكنت قبل بضع سنين قد أشرت إلى جانبٍ من هذه الأوقاف قبل العهد السعودي الزاهر وبعده في هذه الصفحة الغراء في عدد الجزيرة ذي الرقم (16440) وبتاريخ 12-1-1439هـ، في مقالة لي بعنوان: (حيّ الحُصَيْن ومسجد الحصين التاريخيّ بالدَّلَم - من خلال وثيقة قديمة مؤرخة سنة 1118هـ)، وهي موجودة في موقع الجريدة الإلكتروني ويستطيع القارئ الوصول إليها عبر محركات البحث.
ثم وقفتُ بأَخَرةٍ على الوثيقة التي نستعرضها اليوم، وهي جديرة بالنشر والدراسة لقِدمها وسموِّ موضوعها واشتمالها على بعض الأعلام، وهي تخص موضعًا موقوفًا شمالَ غربيّ حي الحصين نفسه يُسمى (الراجِحيّ) ما زال معروفًا عند من استأجره في العقود الأخيرة وعند بعض الأشياخ من جيرانه.
مضمون الوثيقة محلِّ الدراسة
تنص هذه الوثيقة على أن: «عبدالله بن عفيصان من ولايته بلد الدلم أجّر أحمد بن راجح أرض السُّبُل الذي على صوّام مسجد الحصين وإمامِه»، وأن مدة هذه الإجارة مِائة سنة، ثم تذكر الوثيقة أن حدود هذا السُّبُل من الشرق (وشيحة)، ومن الغرب (الباطن)، ومن الشمال (العرفجي)، ثم تذكر الوثيقة أسماء الشهود وأن منهم: «عبدالله بن الأمير»، و«إبراهيم بن محمد الأمير»، وأن أول سنين الإجارة هي سنةُ تسعَ عشْرةَ بعد المِائتين والألف (1219هـ)، ثم يُذكر كاتب الوثيقة الشيخ محمد بن عبدالله بن سويلم، ثم خاتَم الشيخ عبدالعزيز بن صالح الصيرامي، رحمة الله على جميعهم.
ترجمة الأسماء والمواضع الواردة في الوثيقة
1 - عبدُالله بن عُفَيصان: هو الأمير عبدالله ابن الأمير سليمان بن إبراهيم بن عفيصان، من أسرة آل عفيصان المعروفة في بلدة السَلَميّة من بلدان الخرج والذين منهم قادةٌ للجيوش وأمراءُ للنواحي في عهد الدولة السعودية الأولى والثانية، يعودون بنسبهم إلى قبيلة عائذ القديمة في الخرج، وتأمّروا قديمًا على السلمية وما زالوا؛ فرئيس مركز السلمية الآن هو الأستاذ سلمان بن عمر بن عفيصان، والأمير عبدالله المترجَم له كان أميرًا للدلم - قاعدة الخرج إذذاك - سنة 1219هـ كما تنصُّ هذه الوثيقة وتشير له التواريخ النجدية، وكان قبله أميرًا في الخرج أخوه إبراهيم في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود (ت 1218هـ)، وكان أبوهما سليمان قد تولى أيضًا إمارة الدلم سنة 1199هـ بعد قتل أمير الدلم تُركيّ بن زيد بن زامل ودخول الخرج في طاعة الدولة السعودية الأولى، وكان عبدالله صاحب الترجمة من أمراء الجيوش على البحرين أيضًا سنة 1224هـ، وقُتل في الدلم سنة 1234هـ بعد سقوط الدولة السعودية الأولى سنة 1233هـ، قال ابن بشر في تاريخه (عنوان المجد) في حوادث سنة 1234هـ: «ثم وقتَ ارتحالِ الباشا من القصيم [يعني إبراهيم باشا] أقبل الآغا الذي في حَوطة الجنوب المسمى (جوخ دار) ومن معه من العساكر، ونزل الدلم البلد المعروف في الخرج وقتل آل عفيصان، وهم: فهد بن سليمان بن عفيصان، وأخوه عبدالله بن عفيصان، ومتعب بن إبراهيم بن سليمان بن عفيصان، واستأصل جميعَ خزائنِهم وأموالهم» اهـ، وكان فهد أخو عبدِالله وكيلَ بيتِ مال البحرين أيضًا، رحمة الله عليهم.
2 - أحمد بن راجح: مستأجر الوقف، ويظهر جَلِيًّا أنه من أسرة آل راجح المعروفة في نواحي الخرج، وحدثني الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن محمد العُنقُريّ -وهو من أعيان آل راجح- أن «أحمد بن راجح» الوارد في هذه الوثيقة من جماعتهم، وأنه لا يوجد في نواحي الخرج غيرهم ممن يشتهر بهذا الاسم، وأن لهم تملُّكاتٍ قديمة في الدلم ونعجان والسلمية. انتهى كلامه، وبعد البحث في أوراق البلد نجد أن ذرية «أحمد بن راجح» لم يُتمُّوا المِائة سنة المبرمة في الوثيقة؛ ففي أوراق الشيخ القاضي عبدالله بن حسين المخضوب -رحمه الله- ما يشير إلى بيع بعض الورثة نخيلَهم الذي ورثوه دون عين الأرض الموقوفة بطبيعة الحال وذلك سنة 1294هـ، وتعاقبَ على شراء نخيل الوقف -ورَغْبةَ أرضِه- وعلى استئجار عينِ أرضِه عدةُ أشخاص منذ الثلث الثالث من القرن الثالث عشر الهجري وسنذكر معظمهم عند كلامنا عن (انقسام وقف الراجحي إلى جزأين)، وبسبب طول مدة استئجار «أحمد بن راجح» لهذا الموضع فقد نُسب إليهم فعُرف ولا يزال يُعرف بالراجِحيّ كما قدّمنا، وفي الثبوتيات الحديثة يُعرف معظم آل راجح الآن بالعُنقُريّ؛ فهم يعودون بنسبهم إلى العناقر من بني تميم المعروفين في ثرمداء وأمرائها منذ القِدم إلّا أن قدوم آل راجح إلى الخرج قديم كما يتضح من هذه الوثيقة وغيرها، ويخفى علينا من هو الواقف الأصلي لهذه الأرض ومتى كان ذلك؟ فإن الوثيقة - محل الدراسة - تشير إلى أنها كانت وقفًا وسُبُلًا قبل استئجار ابن راجح لها سنة 1219هـ، وقيام متولي البلد حينَذاك عبدالله بن عفيصان بتأجير الأرض يشير على الأغلب إلى انقطاع الواقفين لها؛ فإن من مهام الحاكم أو نائبه القيام على الأوقاف القديمة التي لا ناظر لها ولا عَصَبةَ لواقفها، ويبقى هذا الوقف من أقدم الأوقاف في البلد على كل حال.
3 - مسجد الحُصَيْن: يقع في قلب حي الحصين القديم أو فريق الحصين كما كان يسمى إلى الغرب من حِلّة الدَلَم (الدَيرة)، وإلى جنوبيّ غربِ بلدية محافظة الدلم الآن، وكنت قد أفردتُ هذا المسجد وهذا الحي العتيق ببحث نُشر في هذه الصفحة كما تقدّمَ في رأس هذه المقالة ويستطيع المُستزيد الرجوع إليه، وذكرتُ في ذلكم البحث أنّ المسجد كان موجودًا جزمًا سنة 1319هـ استنادًا لما وقفتُ عليه من وثائقَ حينها، إلّا أننا نستطيع أن نجزم الآن أنه كان موجودًا سنة 1219هـ فقد أفادتنا هذه الوُريقة قرنًا كاملًا! ورغم صغر حجم هذا المسجد الشريف فإن عليه وعلى الصوّام فيه وعلى إمامِه ومؤذنه عدّة أوقاف قديمة لا تزال تتابع في الظهور مع مضي الوقت، فجزى الله بانيَه والواقفين عليه خير الجزاء.
4 - وُشَيْحة: موضع معروف في حي الحُصَين، يحده شرقًا (بيت المال) الذي كان نخيلًا لآل حمد، ويحده غربًا (الراجحي) الوقف المؤجّر في هذه الوثيقة محل الدراسة، و(وشيحة) الآن مهملة منذ مدة ككثيرٍ من النخيل غيرها، وهي من أملاك آل عبدالرحمن؛ فرع من أسرة آل سيف المعروفة في الدلم، وعبدالرحمن هذا ليس عبدالرحمن بن محمد بن سيف (ت 1403هـ) الآتي ذِكرُه بل هو أقدم منه وعمٌّ لأبيه.
5 - الباطن: الباطن عند النجديين الوادي، ولهذا أصلٌ فصيح؛ قال في (لسان العرب): «بطنُ الأرض وباطنُها: ما غَمُضَ منها واطمأنَّ» اهـ، والمقصود هنا في هذه الوثيقة الوادي المُصطنع المعروف الذي يحد وقف (الراجحي) غربًا، وهو وادي تُركيّ، ويُعرف أوسطُه بالجُريف أيضًا - تصغيرُ جُرف - ، وتركي هذا هو تركي بن زامل كما هو مشهور وموثّق؛ سُمي به لأنه هو الذي شقّهُ وأجرى إليه السيل من عند ما يُسمى الآن المِسَدّ غرب حي العِذار جنوب الدلم؛ فإن الوادي الكبير المعروف إذا أقبل من الجنوب انقسم إلى شِعبين: الأول هو وادي تركي هذا ويأخذ ذات اليمين، والشِّعب الثاني يأخذ ذات الشِّمال وهو وادي أبا الحصاني، ويبلغ طول وادي تركي ما يقارب ثلاثةَ كيلومترات، وتتفرّع منه المساني والمَصانع مُشرّقةً ومُغرّبة لتسقيَ المزارع المجاورة وقت الأمطار، ولكل مسناةٍ مِعْبارٌ يعبر إليها في تخطيطٍ هندسي منتظم، وما زال باطن تركي قائمًا بذاته ومَسانيه ومَعابره وتقوم البلدية مشكورةً بصيانته والإشراف عليه، إلّا أن كثيرًا من هذه المساني الآن لا يُستفاد منه على الحقيقة كما كان الأمر قديمًا، وبعضها جرى فيه بعض التعديل وحُرِف عن أصله، وبعضها الآخر - لا سيما الصغير منها - قد ألغي؛ وذلك كلُّه بعد الحياة المدنية وهجران معظم الناس للزراعة والمَزارع وتعلقهم بالوظائف الحديثة منذ أواخر القرن الهجري الماضي، ومَن بقي منهم مشتغلًا بالزراعة فقد استغنى غالبًا بوسائل الري الحديثة، وتجدر الإشارة هاهنا إلى أن بعضَ فُضَلاءِ الباحثين يرى أن تُركيًّا هذا المنسوب إليه هذا الباطن هو تركي بن زيد بن زامل المشار إليه في الفقرة (1) المتقدمة والمذكور في التواريخ النجدية والمقتول سنة 1199هـ، إلا أن الأرجح أنه تُركيٌّ آخر من آل زامل حكم قبل هذا وهو تركي بن عبدالله بن زامل وقد أشارت إليه وثيقة محلية مؤرخة سنة 1169هـ؛ فتركي بن زيد - المقتول - لم يدُم حكمه طويلًا فإنه حَكم أقل من سنة وكانت الأمور فيها مضطربةً بعد أن قُتل الحاكم الذي قبله وهو أخوه براك من قِبل بني عمهم، كما أن غزو الدولة السعودية الأولى ما زال متتابعًا على الخرج؛ ومثل هذه الظروف مع قِصَر المدة لا تُهيّئُ لعمل مثل هذا المشروع! وآل زامل هؤلاء من آل عثمان، وهم أسرة عائذية حكمت الدلم منذ القرن العاشر الهجري على الأقل بحسب ما هو موثّق، وزال حكمهم بالكلية سنة 1240هـ على يد الإمام تركي بن عبداله إبّان قيام الدولة السعودية الثانية، سبق ذلك فترة انقطاع من أواخر سنة 1199هـ إلى سنة 1234هـ أثناء الدولة السعودية الأولى، وأخبار آل زامل وأنسابهم مبثوثةٌ مذكورة في التواريخ والوثائق المنشورة، وليس لهم في الخرج كلِّه بقية.
6 - العرفجيّ: موضع يحد وقف (الراجِحيّ) محل الدراسة شمالًا كما تذكر الوثيقة، ولا شك أن هذا الموضع منسوبٌ -في الأصل- إلى أسرة آل عرفج المعروفة في الدلم؛ فهم أسرة قديمة ولا مشاركَ لهم في اسمهم في نواحي الخرج، وما زالت لهم أملاك قريبة إلى الشمال الغربي من مكان الوقف على الضفة الأخرى الغربية من الباطن، بل إن آلَ موسى وهم فرع معروف من آل عرفج ما يزال ملكهم ملاصقًا للوقف الآن إلى الشرق الشماليِّ منه، ولقِدم هذا الموضع - أعني العرفجي - والتباسه بوقف (الراجحي) فهو يحتاج إلى شيءٍ من التحقيق، ويأتي بعد قليل تعيينُه والتفصيل فيه إن شاء الله بعد الوقوف عليه.
7 - عبدالله بن الأمير وإبراهيم بن مُحمّد الأمير: يظهر أن اسم «الأمير» هنا نَعْتٌ من الإمارة والولاية، وشهادتهما هنا تؤيد هذا وأنهما رجلان من أسرة إمارة ومن ذوي الهيئة العُدول، ولم أستطِع جزمًا معرفتهما؛ إلّا أني نظرت في أسرة الأمير ابن عفيصان نفسه وتتبعتُ أعلامهم في كتب التاريخ خشيةَ أن يكون الشاهدان منهم فلم أقف على شيء، ثم نظرتُ فيمن يشتهر بهذا اللقب «ابن الأمير» في نجد فوجدتُ بني الأمير في شقراء وجُلاجِل وغيرها الآن، فهم يشتهرون بهذا اللقب منذ القِدم؛ لأنهم ذرية الأمير عبدالله بن حمد بن غَيهَب، وكان من الأمراء المذكورين للإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود (ت 1218هـ) ولّاه ناحية الوشم في بلد شقراء، ذكر ذلك ابن بشر في تاريخه، وابنه محمد ذكره ابن بشر أيضًا في حوادث سنة 1224هـ في منازعة ومُلاسَنة وقعت بين ابن صاحب (أبي عريش) الشريف وبين أمير (عسير) أبي نقطة، وذلك بحضرة الإمام سعود بن عبدالعزيز، فقال ابن بشر: «وأقبل عبدالوهاب [أمير عسير] ومعه محمد بن عبدالله بن حمد بن غيهب صاحب شقراء» اهـ، وهذا يدل على أن لمحمدٍ هذا شأنًا حينَها، ثم نظرتُ في شجرة بني الأمير المطبوعة سنة 1425هـ فوجدتُ لمحمدٍ الأخير ابنًا اسمه عبدالله، وآخر اسمه إبراهيم، والله أعلم، وآل غَيهَب من قبيلة بني زيد، وهم الآن - أعني آل غيهب - أسر عديدة معروفة.
8 - مُحمّد بن عبدِالله بن سُوَيلم: هو قاضي الخرج كله ذلك العهد، وكان شيخًا عالمًا ومن طلبة شيخ الإسلام الإمام المجدّد محمد بن عبدالوهاب، رحمه الله، قال ابن بشر في تاريخه في تَعداد قضاة الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود (ت 1218هـ): «وعلى ناحية الخرج محمد بن سويلم، من أهل الدرعية، في بلد الدلم» اهـ، والشيخ، رحمه الله، يعود بنسبه إلى العُرَينات المشهور نسبُهم إلى قبيلة سُبيع؛ لذلك يَنسبُه مترجموه بقولهم: «العُرَينيّ»، وآل سويلم - عشيرة الشيخ - ما زالوا معروفين في الدرعية والبُكيرية في القصيم.
9 - عبدالعزيز بن صالح الصيراميّ: هو قاضي الدلم المشهور في النصف الأول من القرن الهجري المنصرم، وكان عالمًا جليلًا، وُلد في الدلم ثم طلب العلم في الرياض على الشيخ عبدالرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب (ت 1285هـ) صاحب (فتح المجيد لشرح كتاب التوحيد) وعلى غيره، وعاد إلى بلده الدلم ثم وَلي القضاء فيه، وبعد جرد عددٍ غيرِ قليل من الوثائق التي كتبها أو أملاها أثناء عمله في القضاء - وهي كثيرة عند الناس - فإن أقدمَ ما وقفت عليه منها كان في حِلّة الدلم (الدَيرة) سنة 1316هـ، وكان آخرَها في حي الحصين بتاريخ الرابع من ربيع الثاني سنة 1345هـ، وهي السنة التي توفي فيها، رحمه الله، في شهر شعبان، وللشيخ من الأبناء المشايخ الكَتَبة: صالح وعبدالرحمن ومحمد وناصر وعبدالله وعيسى، كتبوا لأبيهم ولغيره من القضاة، وكتاباتهم موجودة متوافرة إلا أن عبدالرحمن وعبدالله كتاباتهما أقل، ولبعضهم أيضًا مخطوطات من كتب العلم - كأبيهم - نسخوها بأيديهم، رحمة الله على جميعهم، والشيخ عبدالعزيز ذو خط جميل متقن يسير في أغلبه على قواعد الخط الفارسي (نَسْتَعليق) وهو يشبه خط عَصْريِّهِ وبَلَديِّه الشيخ الكاتب المعروف عبدالله بن عتيق آل مسلم إذا كتب الأخير بالفارسي - فإنه قد يكتب بالنَّسْخ - حتى إنك لا تكاد تميز بينهما، وللشيخ الصيرامي عَقِبٌ معروفون وفي الثبوتيات الحديثة يكتب عامّتُهم: (الصرامي) بإسقاط الياء الأولى، وها هنا تساؤل سينقدح في ذهن بعض القراء وهو: ما الذي جاء بختم الشيخ الصيرامي على هذه الوثيقة التي كُتبت قبله بما يقارب القرن من الزمان؟ والجواب: أن القضاة قديمًا كانوا يصادقون على بعض الأوراق الشرعية التي كُتبت قبلهم لا سيّما إن كان خاطُّها شيخًا كاتبًا ليس قاضيًا يحمل خاتَمًا، كما يقوم القضاة والكُتّاب بنقل بعض هذه الأوراق خاصةً إذا كانت قديمةً وخِيفَ عليها التلف ثم يَمهُرُها القاضي بختمه تصديقًا للنقل، وهذه الوثيقة التي نعرضها اليوم لم يكتبها الشيخ محمد بن سويلم بعينها كما هو المتوهَّم؛ فليس هذا خطه، ولكنها نُقلت من الأصل الذي كتبه ثم مَهَرَها الشيخ الصيرامي بخاتمه.
الوقوف على الوقف المقصود في الوثيقة وتعيينُه
انتقلتُ إلى موقع الوقف محل الدراسة ظهيرةَ يوم الثلاثاء الموافق 22-4-1447هـ وذلك لأعاينَه وأطابقَ حدوده بما هو مذكور في الوثيقة قبل قرنين ونَيفٍ، وهي مدة طويلة قد تتغير فيها حدودُ مواضعَ مجاورة، وتُنسى أسماءٌ وتتغير أشياء، واستعنتُ -بعد الله سبحانه- بسؤال أبناء مَن استأجر هذا الوقف؛ فإن المستأجرين أنفسهم قد تُوفّوا -رحمهم الله- وغدا المكان من بعدهم ميتًا، وسألتُ أيضًا المُلّاك المجاورين للوقف، وحرصتُ على من نشأ وترعرع في نفس المكان من هؤلاء وأدركَ وعَقَل تفاصيلَه، ثم اطلعتُ على ما تيسّر من أوراقهم ودرستُه، إضافةً لمعرفتي السابقة بالحي واطلاعي على مجموعة من وثائقه من قبل، وخلَصتُ بعد ذلكم إلى الآتي:
حد الوقف الغربي: هو ظاهرٌ كما في الوثيقة؛ وهو «الباطن» المعروف بوادي تركي، وتقدّم الكلام عنه في الفقرة (5).
حد الوقف الشرقي: هو كما تذكره الوثيقة «وشيحة»، ومن حسن الحظ أنها ما زالت معروفة، وتقدم الكلام عنها في الفقرة (4)، إلّا أن طرفًا من الحد الشرقي شمالًا هو (العرفجي) وليس (وشيحة) كما سيأتي بيانه في الفقرة (أ).
حد الوقف الجنوبي: لم تُشِر الوثيقة إلى الحد الجنوبي للوقف، إلّا أنه يتضح جَلِيًّا وبشهادة العارفين ممّن تقدَّم أن الحد هو (مسناة آل حمد)، وهي مسناة غير كبيرة، وقد غلب عليها هذا الاسم عند أهل الحي لأنها كانت تسقي نخيل آل حمد - الذين منهم كاتب هذه الأسطر - فهي تنشعب من وادي تركي سَمْتَ الشرق مُيمّمةً نخيلَهم حتى تصُبَّ فيه، وقبل أن تدخل نخيلهم ينشعب منها معبار صغير ليسقي (الوسيطى) الوقف القديم الذي يتولاه الآن آل عتي الأسرة المعروفة في الدلم، وأرى أن الأدق أن تُسمى هذه المسناة: (مسناة بيت المال)؛ فنخيل آل حمد الشمالي المقصود هنا يُسمى في الوثائق القديمة (بيت المال)، وقولي هاهنا: «الشمالي» تمييزًا له عن نخيلهم الجنوبي المسمى (الشُّريقي)، وعن وقفهم (وثّاب)؛ فمَشارب الثلاثة مختلفة، وقد باعوا الجميع منذ مدة قريبة وبقي لهم وقفهم فقط، يلي (مسناة آل حمد) جنوبًا قُبالةَ (الراجحي) موضعٌ يسمى (الهُوَيديّة)، وهذا الاسم مغمورٌ لا يُعرف عند الناس لولا أن أسعفتنا به الوثائق، وهو في ملك آل رُشَيد بن سعود بن زيد التميمي منذ أواخر القرن الثالثَ عشر الهجري، وهم المعروفون عند أهل الحي بآل رُشَيد، وأصلهم من آل حسين أهل حَوطة بني تميم، فقَدِم جدهم سعود - وكان تاجرًا مُوسِرًا - وتملّك ثم توسّع ابنه رشيد بالشراء وبقيت ذريته حتى الآن في المكان، رحمهما الله، وكان سعود ممّن استأجر وقف (الراجحي) أيضًا كما سيأتي في الفقرة (ب)، و(الهويديّة) كما هو ظاهر نسبةٌ إلى آل هُوَيدي وهم من الأشراف المعروفين القدماء في الدلم ويُعرفون في الثبوتيات الحديثة بالشريف، فالمتوجِّه أنهم ملكوا هذا الموضع قديمًا أو استأجروه وأطالوا فيه المُقام فنُسب إليهم.
حد الوقف الشمالي: الحد الشمالي هذا احتاجَ لشيءٍ من التحقيق؛ فالوثيقة تذكر أن الحد الشمالي هو «العرفجي»، ولكن الحاصل أني وجدت بعض الناس - بل بعض أهل الحي أنفسهم - يخلط بين (الراجحي) و(العرفجي) كما تقدّمت الإشارة لذلك عند ترجمة (العرفجي) في الفقرة (6)، وسبب الخلط هو: قِدَم هذه المواضع، وتعطُّلها منذ مدة، ووجود أوقاف في (العرفجي) كما هو الحال في (الراجحي) إلّا أن (الراجحي) كله وقف، والسبب الأخير للخلط هو وجود مسناة تشق (الراجحي) إلى شقين: شمالي، وجنوبي؛ وهي (مسناة الحجّاوي)؛ فظن بعضٌ أن هذه المسناة ربما تكون الحد الشمالي لوقف (الراجحي)، وبعد التأمل ودراسة الوثائق المتاحة ظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن الحد الشمالي للوقف - محل الدراسة - هو (مسناة المصفاة) المعروفة، وهي التي تفصل بين وقف (الراجحي) وبين (العرفجي)؛ فيكون (العرفجي) كما في الوثيقة حدًّا شماليًّا للوقف يلي (مسناة المصفاة)، و(مسناة المصفاة) أوسع من (مسناة الحجاوي)؛ ولذلك فهي تسمى أيضًا: (سوق المصفاة) إذ يذكر أهل الحي أن الناس في غير موسم السيل يجعلونها طريقًا ما بين (الدَيرة) وبين (الصَّحْنة) وما قبلها، وذلك بعد عمران الأخيرة واتخاذها سكنًا أواخر القرن الهجري الماضي، وكانوا يمشون عبرها بدوابّهم وأحمالهم، وكلمة (السوق) تعني الطريق، ومن مُلَحِ ما يُذكر: أن الناس في ذلك العهد إذا أرادوا تنظيف (سوق المصفاة) من العَلَق ونحوه وضعوا ذلك على أرض (الراجحي) ولم يضعوه على أرض (العرفجي) لعلمهم أن (الراجحي) وقفٌ مستأجر وليس ملكًا خاصًّا لأحدٍ معلومٍ كما هو حال (العرفجي)! وفيما يلي مزيدُ بيان.
انقسام وقف (الرَّاجِحيّ) إلى جزأين
عطفًا على ما سبق، وعندما استأجر «أحمد بن راجح» الوقف سنة 1219هـ فإنه استأجره كله من حاكم البلد بالحدود المذكورة سابقًا، ويبدو أن (مسناة الحجاوي) حينَذاك كانت تشق قلب الوقف كلَّه مُشرّقةً كباقي المساني المجاورة وعابرةً عبورًا فقط لتسقي موضع (الحجاوي) المعروف إلى شرقيّ الوقف بمسافة ليست بتلك البعيدة، أقول: «ويبدو» لأنه يحتمل أن هذه المسناة - وربما غيرها - أُحدِثت بُعيدَ ذلك، وعلى كل حال فالذي حصل أن الوقف قُسم إلى قسمين بعد استئجار «أحمد بن راجح» له، وصار كل قسم يؤجَّر على حِدَة، وهذان القسمان هما:
أ - القسم الشمالي: شمال (مسناة الحجاوي) وجنوب (مسناة المصفاة)، ويحده (الباطن) غربًا و(العرفجي) شرقًا؛ فهذا القسم - وهو الأصغر - لا تحده (وشيحة) شرقًا كما في الوثيقة، بل يحده جزءٌ من (العرفجي)؛ إذ إنّ (العرفجي) يمتد من (الباطن) في الغرب ويحاذي (مسناة المصفاة) و(الراجحي) آخذًا إلى سَمْت الشرق، فإذا انتهى (الراجحي) دخل خليجٌ من (العرفجي) إلى الجنوب مُجتازًا (مسناة المصفاة) بمحاذاة شرق (الراجحي) حتى ينتهي هذا الخليج في (مسناة الحجاوي)، وآخر من استأجر هذا القسم الشمالي هو عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله بن سيف (ت 1403هـ) في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي، وقد حدثني ابنه الأستاذ عبدالعزيز أنه يتذكر أنّ أباه كان يعطي عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن سيف (ت 1419هـ) إمام مسجد الحصين إذذاك شيئًا من غلّة الوقف باستمرار. انتهى كلامه، وهذا لا شك إنفاذًا منه لشرط الوقف كما في أصل الوثيقة - محل الدراسة - وأنه «على صوّام مسجد الحصين وإمامِه»، ووقفتُ على وصية ووقفية لعلي بن يحيى مؤرخة سنة 1339هـ بشهادة القاضي عبدالعزيز بن صالح الصيرامي وكتابة ابنه صالح، وفيها أَوقفَ عليٌّ هذا عددًا من النخل في عدة مواضع مختلفة: فستُّ نخلات من (الراجحي) لسراج مسجد الجُرَيف، ثم أَوقفَ نخلًا اشتراه في (العُلَيَّا) وهو في الجهة المقابلة الغربية من الباطن، ثم أَوقفَ نصيبه من أخته في (العرفجي) وأن ذلك تابع للوقفية المذكورة. انتهى النقل باختصار وكلمة «نصيبه» منخرمة في طرف الوثيقة الأصلية فاجتهدتُ بقراءتها، ثم في وثيقة ثانية بعدها مؤرخة سنة 1373هـ ذهب المستأجر الجديد وهو عبدالرحمن بن سيف - المذكور آنفًا - إلى قاضي الخرج حينها الشيخ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن عجلان فولّاه على «سِبالة علي بن يحيا التي على المَدِيّ وعلى إسراج مسجد الجريف» كما في نص الوثيقة بخط القاضي نفسه، رحمة الله على جميعهم؛ وفي هذا كله تأكيد على اختلاف (الراجحي) عن (العرفجي)، ثم في وثيقة ثالثة جرى فيها التصريح باسم الموضع وصادق عليها الشيخ القاضي الإمام عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- سنة 1366هـ وجاء فيها: «مضمونه بأن عبدالرحمن بن محمد بن سيف اشترا من حسين الكثيري موشتراه [هكذا] من عبدالرحمن بن علي بن يحيى من الراجحي»، يبقى أن نبيّن أن خليج (العرفجي) الذي يحد هذا القسم الشمالي من الشرق هو الآن في ملك آل عرفج -فرع آل موسى كما تقدّم- وملكهم له غرُ حديث كما يعرفه أهل الحي، وقد أكّد لي الأستاذ راشد بن عبدالله بن راشد آل عرفج -وهو من آل موسى- أن مكانهم تابعٌ للعرفجي. انتهى كلامه، أما بقية (العرفجي) والجزء الأكبر منه شمال (مسناة المصفاة) ففيه عدة أملاك حرة وأوقاف لعدة أسر معروفة، وحصرُهم والدخول في تفاصيل ذلك سيطول فيه الكلام دونَ كبيرِ فائدةٍ لأصل البحث، ولكننا نذكر من مشهوريهم على سبيل المثال: أسرةَ آل مجلّي، ومُشتراهم كان قديمًا من آل ثواب، أفادني بذلك الأستاذ الشيخ عبدالله بن ناصر آل مجلّي، وحدثني أن أوراق المكان تنص على أنه في (العرفجي). انتهى كلامه، فوافق كلامُه ما خلَصَ إليه هذا البحث والحمد لله.
ب - القسم الجنوبي: وهو أجْلى من سابقه وأكبر حجمًا إلى ما يقارب الضِّعف؛ ولكِبَر حجمه وحيازته غالب الوقف فقد اكتُفي في الوقفية بذكر حده الشرقي (وشيحة) دون الحاجة إلى ذكر الحد الشرقي للقسم الشمالي السابق؛ فأُلحِق القسم الشمالي بالحد الشمالي وهو (العرفجي)، ويحد هذا القسم الجنوبي (مسناة الحجاوي) من الشمال، و(مسناة آل حمد) من الجنوب و(الباطن) من الغرب، وآخر من استأجره هو جارُه - غيرُ اللَّصِيق - إبراهيم بن عبدالرحمن العُرَيديّ، وكان قبله مستأجِرًا محمد بن عبدالله بن علي بن عسكر عام 1380هـ، وقد توفيا قريبًا، رحمة الله عليهما، وقديمًا استأجره أيضًا سليمان بن عبدالله العُرَيديّ قبل سنة 1296هـ وكان جارًا للوقف ثم إنه باع نخلَه في الوقف لسعود بن زيد التميمي - تقدّم ذِكرُه - سنة 1296هـ ليسُدَّ دينَه عليه، فاستأجر سعود عين الأرض الموقوفة من قاضي البلد حينَذاك الشيخ عبدالله بن حسين المخضوب كما في وثيقة بإملائه وكتابة الشيخ عبدالله بن عتيق مؤرّخة بنفس السنة، رحم الله جميعَهم.
مساحة وقف (الرَّاجِحيّ) الإجمالية والمُجَزّأة
تبلغ مساحة وقف (الراجحي) كله تقريبًا: (17000) سبعةَ عشَرَ ألفَ مترٍ مربّع، ويبلغ الجزء الشمالي منه تقريبًا: (6000) ستةَ آلافِ مترٍ مربّع، فيما يبلغ الجزء الجنوبي تقريبًا: (11000) أحَدَ عشَرَ ألفَ مترٍ مربّع، وللتفاوت البيّن الحاصل بين الجزأين الشمالي والجنوبي فقد حدثني الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن محمد بن سيف أن لجنةً تابعةً للأوقاف زارتهم أواخر القرن الهجري الماضي، فجعلت على أبيه ريالًا واحدًا للمتر الواحد، وجعلت على مستأجر الجزء الجنوبي ريالين للمتر الواحد بسبب أنه أكبر مساحة. انتهى كلامه، وقد قدّمنا أنا أباه -رحمه الله- كان آخر من استأجر الجزء الشمالي، بقي أن نذكر أن القسم الشمالي كان له معبار صغير يسقيه من الباطن مباشرةً، وكذا كان للقسم الجنوبي معبارٌ مثلُه، وقد أُلغيا حديثًا.
ختامًا هذا جهد المُقِلّ؛ فما كان من صوابٍ فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، ولا أنسى أن أشكر كلَّ من أسهم في هذا البحث بمعلومة أو وثيقة، ثم أخص بالشكر هنا الأستاذ عبدالعزيز بن محمد بن عبدالله آل عسكر الذي لم ينسَ الجوار القديم مع أبيه والمصاهرة مع جده فأمدَّني -مدَّ الله في عمره- بعددٍ من الوثائق القديمة مصورةٍ من أصولها، وصلى الله على نبينا محمد وسلَّمَ تسليمًا.
** **
- محمد بن عبدالله آل حمد