عبدالله إبراهيم الكعيد
في عصرنا الحالي تتردد مقولة (الحل في الرياض) إشارة إلى قدرة قادة بلادنا على حل المنازعات والخلافات ونجدة المستغيث والمغلوب على أمره وأيضا حنكتهم في نقض الصعاب وفتل الحلول. لن أنجر وراء العاطفة كوني مواطناً سعودياً أفخر بوطني وقادة بلادي لكنني وقد بلغت من العُمر عتيّا وعاصرت من الأحداث ما يُتيح لي سرد الوقائع التي عاصرتها عن سياسة المملكة العربية السعودية خارجيا وكيف استطاعت بثقلها العالمي ومكانتها لدى العرب والمسلمين أن تؤثر في مسار الأحداث لصالح السلام والأمن والاستقرار.
في المحكي المحلّي يقول الناس استنكارا واستهجانا لفعل الأحمق «يا صبر الأرض» وهي ربما مستقاة من المقولة العربية «أصبرُ من الأرض» وهذا هو المدخل الأكثر بلاغة لحكاية اليوم عن الصبر السعودي.
من يعي التاريخ الحديث لهذه البلاد بعد توحيدها على يد الملك عبدالعزيز - رحمه الله- وكوكبة من شرفاء هذا الوطن من أجدادنا لن يتعب كثيرا في الاهتداء إلى عنوان يدل على المرتكز الرئيس لسياسة قادته الذين تعاقبوا على الحُكم وإدارة شؤونه. الصبر المُطرّز بالحكمة مما أدهش الأعداء قبل الأصدقاء وأصبحت سمة سياسية سعودية بامتياز.
الصبر السعودي (إن جاز القول) كان يوصف في الخمسينيات الميلادية من القرن المنصرم وحتى حرب أكتوبر 1973 إبّان الثورات والنكسات والهيجان الشعبي بالضعف والتخاذل، ولم يدرك المتهورون آنذاك السر إلا بعد أن ذاقوا خيبات اندفاعهم غير المحسوب وبعد أن وقعوا وورّطوا شعوبهم بالمآزق التي لم يخرج البعض منها حتى اليوم.
تعلمنا كشعب من قادتنا صبر الحليم ورأينا غضبته إذا غضب فموقف الملك فيصل حين قطع إمدادات النفط عن الغرب الداعم للصهاينة، وموقف الملك فهد من غزو الكويت وقرار الملك عبدالله حفظ أمن البحرين، وأخيرا وليس آخراً عاصفة حزم سلمان لمساندة الشرعية في اليمن وإيقاف المد الفارسي وغيرها. مواقف سيكتبها التاريخ في سجل الشجعان الذين رفضوا العدوان بعد نفاد صبرهم وأعادوا الأمور إلى مجراها الصحيح والطبيعي.
هل سمعتم في يوم عن تدخّل المملكة العربية السعودي في أي نزاع أو حرب داخلية في أي بقعة على هذا الكوكب والنفخ في رماد النزاعات حتى تشتعل؟
صفوة القول: الصبر لا يعني الضعف، بل الحكمة، وفي ذات الوقت للصبر حدود، فمتى ما تجاوز أي متهور حدوده ولم يرعوي فلا مجال الا آخر دواء العرب (الكي) والجمرة التي يكوي بها السعودي حارقة وتترك أثرا على مر التاريخ.