د. محمد بن عبدالله آل عمرو
في كل موسم زراعي لدورة إنتاج التمور تتجدد الآمال، وتتعاظم التحديات، ويقف المزارع السعودي في مواجهة مع الطبيعة، والسوق، وتكاليف الإنتاج، معتمدًا بعد الله على خبرته المتوارثة، واجتهاده الشخصي، ومع دخول هذه الأيام، ينشط المزارعون في مختلف مناطق المملكة في تلقيح النخيل، وهي المرحلة الأخطر والأكثر حساسية في دورة إنتاج التمور، إذ يتوقف عليها -بعد توفيق الله- حجم المحصول وجودته وسلامته طوال العام. لقد كانت النخلة، ولا تزال، الشجرة الرئيسة في الاقتصاد الزراعي في المملكة العربية السعودية، بل يمكن القول: إنها العمود الفقري للزراعة التقليدية في الجزيرة العربية. فهي ليست مجرد محصول اقتصادي، وإنما تمثل بعدًا حضاريًا وإنسانيًا عميقًا؛ إذ كانت النخلة الأم الحقيقية لإنسان الجزيرة العربية منذ فجر التاريخ، غَذته بثمرها، وظللته بسعفها، وبنى مسكنه من جذوعها، واستند عليها في معيشته واستقراره. ولم يكن ارتباط الإنسان بالنخلة ارتباط مصلحة عابرة، بل علاقة حياة متكاملة تشكلت عبر قرون طويلة.
واليوم، لا تزال النخلة لكثير من المزارعين مصدر الدخل الوحيد طوال العام. فإذا لم يوفق المزارع في التعامل الصحيح معها، أو أخطأ في مرحلة من مراحل العناية بها، انعكس ذلك مباشرة على جودة المنتج النهائي، وضاع الجهد والتكلفة المبذولة خلال عام كامل من العمل، والسقي، والتسميد، والمكافحة. ومن هنا تتجلى الحاجة الملحة إلى الإرشاد الزراعي بوصفه مطلبًا أساسيًا، لا ترفًا تنظيريًا، ولا خيارًا ثانويًا.
إن المزارعين أحوج ما يكونون اليوم إلى إرشاد علمي عملي، يوضح لهم الطرق والأساليب الصحيحة للتلقيح، من حيث تحديد الوقت الأنسب لإجراء التلقيح، والطريقة المثلى لتنفيذه، ونوعية الفحول المناسبة لكل صنف، ومدة صلاحية الطلع، وأفضل أساليب حفظه قبل الاستخدام، كما تشمل الحاجة الإرشادية التوعية بمواعيد التسميد المناسبة، وأنواع الأسمدة الملائمة في هذه المرحلة، وأهمية التوازن الغذائي للنخلة حتى لا ينعكس الإفراط أو التفريط سلبًا على الإنتاج.
ولا يقل أهمية عن ذلك الإرشاد المتعلق بـرش المبيدات الحشرية قبل عملية الطلع، من حيث اختيار الأنواع الآمنة والفعالة، وتحديد التوقيت السليم للرش، لتجنب الإضرار بالطلع أو التأثير على نجاح التلقيح. فكثير من الخسائر التي تقع لا تكون بسبب الآفات وحدها، بل بسبب سوء استخدام وسائل المكافحة. ثم تأتي مراحل ما بعد التلقيح، من التفريد والتعكيس، وضبط عدد العذوق، وتحسين التهوية، وتقليل الضغط على النخلة، وصولًا إلى مرحلة الصرام. وكل مرحلة من هذه المراحل لها أساليب علمية دقيقة تؤثر مباشرة في حجم الثمرة، وجودتها، وسلامتها من الآفات، وقدرتها على التخزين والتسويق. ولا تتوقف الحاجة إلى الإرشاد عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى ما بعد الحصاد، حيث تبرز أهمية أفضل أساليب حفظ وكنز التمور، وتجهيزها بصورة صحية واقتصادية، تضمن سلامتها وجودتها، وتؤهلها للوصول إلى منافذ البيع بصورة تنافسية. فكم من محصول جيد أُهدر جزء كبير من قيمته بسبب سوء التخزين أو ضعف التجهيز.
ومن المهم كذلك أن تحظى مسألة تنظيم منافذ بيع التمور باهتمام الجهات المختصة، بما يضمن تصريف المنتج دون بخس أو ابتزاز، ودون اضطرار المزارع للتخلص من محصوله بأبخس الأثمان، فواقع كثير من الأسواق يعاني من سوء التنظيم، وغياب الخدمات، وصعوبة دخول المتسوقين، إضافة إلى معاناة المزارع من الوقوف لساعات طويلة تحت قسوة الظروف المناخية، من شمس محرقة، وغبار، وأمطار، في مشهد لا يليق بقيمة المنتج ولا بجهد المزارع. إن كل هذه القضايا مجتمعة تحتاج إلى لفتة نظر ملموسة من وزارة البيئة والمياه والزراعة، تعيد للإرشاد الزراعي دوره الحيوي، وتربطه بالميدان، وتجعله قريبًا من المزارع في أرضه، ونخلته، وسوقه. فبدون إرشاد فعّال، يظل المزارع وحيدًا في معركة الإنتاج، ومعه نخلة تستحق أن تُخدم بعلم، كما خدمته بإخلاص عبر التاريخ.