مهدي آل عثمان
في الاقتصادات الحديثة، لم تعد المنافسة مجرد مفهوم تنظيمي، بل أصبحت معياراً أساسياً لسلامة السوق وعدالة التعاملات فيه، وأداة فاعلة لرفع كفاءة الاقتصاد وحماية المستهلك. ومع ما تشهده المملكة العربية السعودية من تحولات اقتصادية متسارعة، برزت الحاجة إلى إطار نظامي واضح يضمن تكافؤ الفرص بين المنشآت، ويحمي السوق من الممارسات التي قد تخل بتوازنها أو تضر بالمصلحة العامة. ومن هذا المنطلق، جاء تنظيم المنافسة بوصفه أحد الركائز الأساسية لبناء سوق أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.
وفي هذا السياق، تتولى الهيئة العامة للمنافسة دوراً محورياً في الإشراف على تطبيق نظام المنافسة، بوصفها جهة حكومية مستقلة تُعنى بحماية وتشجيع المنافسة العادلة، والتصدي للممارسات الاحتكارية التي تؤثر في حرية السوق أو تحد من الخيارات المتاحة أمام المستهلك.
ويأتي هذا الدور امتداداً لنهج اقتصادي واضح تتبناه المملكة العربية السعودية، يهدف إلى تعزيز الشفافية، وضبط السلوكيات غير العادلة، وتهيئة بيئة أعمال قادرة على النمو والتنافس وفق أسس نظامية منضبطة.
وقد جاء إقرار نظام المنافسة بموجب المرسوم الملكي عام 1425هـ ليضع إطاراً يحمي السوق من الاختلالات، ويضمن عدالة التنافس بين المنشآت. ويستهدف النظام ترسيخ بيئة اقتصادية تقوم على تكافؤ الفرص، بما يمكّن المنشآت من التنافس بحرية ونزاهة، ويمنح المستهلك فوائد مباشرة تتمثل في تنوع الخيارات، وتحسن جودة السلع والخدمات، وعدالة الأسعار.
وتمثل المنافسة العادلة ركيزة أساسية لتحقيق الكفاءة الاقتصادية، وتحفيز الابتكار، وجذب الاستثمارات، وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء اقتصاد متنوع ومستدام.
وتبرز جهود الهيئة العامة للمنافسة من خلال دورها الرقابي والتنظيمي، حيث أعلنت في أكثر من مناسبة عن العقوبات النظامية بحق منشآت ثبت تورطها في ممارسات محظورة، من أبرزها الاتفاق على الأسعار في القطاعات التي تنشط بها. وتعد هذه الممارسات من أخطر صور الإخلال بالمنافسة، لما يترتب عليها من رفع مصطنع للأسعار، وتقليص الخيارات أمام المستهلك، وإضعاف كفاءة السوق، بما يتعارض مع مبادئ العدالة الاقتصادية.
وفي إطار حماية المستهلك وتعزيز استقرار السوق، تبرز أهمية التوعية بمفهوم السقف الأعلى لأسعار المنتجات الاستهلاكية، بوصفه إجراءً تنظيمياً يُلجأ إليه عند الحاجة للحد من الارتفاعات غير المبررة، وضمان عدم استغلال المستهلك في السلع الأساسية. فوجود سقف سعري واضح ومعلن يسهم في ضبط السوق، ويحقق قدراً من الطمأنينة للمستهلك، دون الإخلال بمبدأ المنافسة العادلة أو التأثير سلباً في استدامة الأنشطة التجارية.
فالمنافسة الحقيقية في الأسواق لا تقوم على رفع الأسعار أو توحيدها، وإنما تنشأ بطبيعتها من جودة المنتج، وكفاءة الخدمة، والقدرة على تقديم السعر الأقل أو الأنسب للمستهلك. وكلما اتسعت دائرة الخيارات أمام المستهلك، ارتفعت جودة المعروض، وتحسنت مستويات الأسعار، وهو ما يشكل جوهر المنافسة العادلة التي تسعى الأنظمة إلى حمايتها وتنظيمها.
ومن هذا المنطلق، فإن وجود سقف أعلى للأسعار في المنتجات الاستهلاكية لا يتعارض مع مبدأ المنافسة، بل يعززه حين يمنع الانفلات السعري، ويترك المجال مفتوحاً أمام المنشآت للتنافس في تطوير الجودة، وتحسين الكفاءة التشغيلية، وتقديم عروض أفضل، بدلاً من الاعتماد على هوامش سعرية مرتفعة على حساب المستهلك. ويأتي دور الهيئة العامة للمنافسة مكملاً لهذا التوجه، من خلال مراقبة السلوكيات التي قد تلتف على السقف السعري عبر ممارسات غير مباشرة، مثل الاتفاقات الضمنية أو توحيد الأسعار بصورة تخل بمبدأ التنافس.
ولا يقتصر دور الهيئة على تطبيق العقوبات، بل يمتد إلى دور توعوي ووقائي متكامل، يتسق مع مستهدفات الرؤية في بناء اقتصاد منظم مدعوماً بالوعي. إذ تحرص الهيئة على الحضور المستمر في وسائل الإعلام، من خلال البيانات الصحفية، والإعلانات التوعوية في الصحف، والمشاركة في اللقاءات الإعلامية، إلى جانب نشاطها في المنصات الرقمية، بما يسهم في نشر ثقافة المنافسة وتعريف المجتمع بحقوقه وواجباته.
ويمثل هذا التواجد الإعلامي عنصراً مهماً في رفع مستوى الوعي لدى المستهلكين وأصحاب المنشآت، حيث يسهم في توضيح الممارسات المحظورة، والعقوبات المترتبة عليها، وسبل الامتثال للنظام. كما يعزز من مبدأ الشفافية والمساءلة، ويؤكد جدية الدولة في حماية الأسواق وبناء بيئة اقتصادية عادلة وجاذبة للاستثمار.
وفي سياق متصل، تبرز أهمية المنافسات والمشتريات الحكومية بوصفها أحد ميادين تطبيق المنافسة العادلة، حيث تقتضي العدالة التنافسية أن تُبنى المواصفات على مسميات عامة للأصناف والمتطلبات الفنية، بعيداً عن ربطها بنوع منتج محدد أو بلد منشأ بعينه، إلا إذا اقتضت الضرورة الفنية ذلك. فحصر المنافسة في أسماء تجارية أو مصادر معينة قد يحد من فرص المشاركة، ويقصي منشآت قادرة على تقديم منتجات مماثلة بالجودة والكفاءة ذاتها، وهو ما يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص وحرية المنافسة.
وتعمل الهيئة العامة للمنافسة، بالتكامل مع الجهات ذات العلاقة، على تعزيز هذا الفهم، بما يسهم في توسيع قاعدة المنافسة، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحقيق أفضل قيمة مقابل المال العام، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في ترسيخ الحوكمة وتعزيز الشفافية.
كما تُعد إتاحة قنوات واضحة وميسرة للتواصل وتقديم البلاغات عن الممارسات المخالفة إحدى الأدوات المهمة في تمكين المستهلك والمنشآت من الإسهام في حماية السوق؛ فسهولة الإبلاغ ووضوح الإجراءات يعززان من فاعلية الرقابة، ويكرسان مبدأ الشراكة المجتمعية في الحفاظ على عدالة المنافسة.
وفي ظل المسار التحولي الذي تعيشه المملكة، تبرز الهيئة العامة للمنافسة بوصفها أحد الممكنات الرئيسة لتحقيق رؤية المملكة 2030، من خلال ضمان نزاهة السوق، وتعزيز العدالة الاقتصادية، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص.
ومن هنا، فإن استمرار الجهود التوعوية، وتكثيف الحضور الإعلامي، وتعزيز ثقافة المنافسة القائمة على الجودة والسعر العادل، تمثل عناصر أساسية لبناء سوق ناضجة، تخدم الاقتصاد الوطني، وتحمي المستهلك، وتدعم استدامة النمو.