د. عبدالله علي بانخر
الرياض.. حاضنة الإبداع العابرة للحدود
في ليلةٍ توهجت فيها عاصمة الحلم، أثبت حفل «جوي أورادز» (Joy Awards) 2026 أن المملكة العربية السعودية لم تعد مجرد منصة لاستضافة الأحداث الكبرى، بل باتت المحرك السيادي لصناعة الإبداع في المنطقة.
من خلال تنظيم الهيئة العامة للترفيه، تحول الحفل إلى «حاضنة» عالمية انمحت فيها الحدود بين الثقافات، حيث تمازج الإبداع المحلي والخليجي مع العمق المصري والسوري، والروح المغربية والمشرقية، ليصافح الإبداع العالمي في تظاهرة فريدة تجعل من كل فقرة على المسرح حفلاً باذخاً بذاته.
جدلية الاختيار.. بين ذائقة المنظم ونبض الجمهور
يبقى السؤال الجوهري يتردد في أروقة الحفل: كيف نوازن بين اختيارات الجهة المنظمة المبنية على المعايير الفنية، وبين تصويت الجماهير الذي يمثل نبض الشارع؟ إن هذه «الذائقة الفنية» هي سر حيوية «جوي أورادز»؛ فهي لا تكتفي بتكريم النخبة، بل تمنح الجمهور سلطة صناعة النجم، مما يخلق توازناً دقيقاً يجمع بين القيمة المهنية والشعبية الجارفة، ويرفع سقف الطموح لدى المبدعين للوصول إلى قلب المشاهد وعقل الناقد في آن واحد.
تكريم الرواد.. فاروق حسني والوفاء للذاكرة الإبداعية
وفي لفتةٍ استثنائية جسدت مفهوم الوفاء الإبداعي، احتفى الحفل بتكريم الفنان والوزير الأسبق فاروق حسني، تقديراً لمسيرته الطويلة في خدمة الثقافة والفنون البصرية. هذا التكريم ليس مجرد احتفاء بشخصية قيادية، بل هو إقرار بعمق الروابط التاريخية بين الفنون الإبداعية بمختلف مدارسها، وتأكيد على أن الرياض تقدر الرموز الذين ساهموا في تشكيل الوجدان العربي، مما يعزز من قيمة «جوي أورادز» كمنصة لتكريم الماضي وإلهام المستقبل.
حصاد النجوم.. ليلة التتويج الكبرى
شهدت منصة التكريم في نسخة 2026 حضوراً لافتاً للمبدعين الذين صاغوا وجدان العام؛ حيث توج النجم السعودي عبدالمحسن النمر بجائزة الممثل المفضل (سينما) وكذلك فيلم «سيكو سيكو»، وتألقت النجمة شجون الهاجري كأفضل ممثلة عن فيلم «عرس النار». وفي عالم الموسيقى، نال الفنان فضل شاكر جائزة الفنان المفضل وأغنية العام «صحاك الشوق»، بينما حصدت النجمة أنغام جائزة الفنانة المفضلة. كما شمل الحفل تكريم وجوه شابة ورياضيين مبدعين مثل ياسين بونو وليلى القحطاني، ليؤكد الحفل شمولية تأثيره في كافة دوائر الإبداع والترفيه.
تعريف التعريف.. تلازم الإبداع والترفيه
يطرح الحفل تساؤلاً فلسفياً حول العلاقة البينية بين الإبداع والترفيه؛ ففي رؤية 2030، لم يعد الترفيه مجرد وسيلة للتسلية، بل أصبح «وعاءً» للإبداع الحقيقي. إن العلاقة بينهما هي علاقة تكاملية؛ فالإبداع هو الجوهر الثقافي، والترفيه هو الجسد الذي يمنح الفن بريقه الجماهيري. عندما يعلو سقف الإبداع في الموسيقى والغناء والسينما وحتى الرياضة والمتاحف، يتحول الترفيه إلى صناعة ثقيلة تدعم القوة الناعمة وتُدرج الأثر الثقافي في حياة المجتمع بشكل مستدام.
نحو استدامة النجاح.. رؤية للتطوير
بقدر ما نفخر بهذا الإبهار، فإن استدامة التميز تتطلب منا النظر في تجويد التجربة؛ فغياب «التيمة» (Theme) الموحدة التي تربط الفنون المختلفة قد يشتت أحياناً تدرج الأثر. إن صياغة هوية بصرية وموضوعية سنوية توحد بين المسرح والموسيقى والدراما سيعطي الحفل عمقاً سردياً أكبر. كما أن التوسع في دمج الفنون البصرية والمتاحف الرقمية ضمن جوائز الحفل سيجعل من «جوي أورادز» مظلة شاملة للإبداع الإنساني بكافة تجلياته.
الخلاصة: الرياض وجهة المستقبل الإبداعي
إن ما تقدمه الهيئة العامة للترفيه من خلال «جوي أورادز» ليس مجرد احتفالية عابرة، بل هو استثمار إستراتيجي في صناعة الوعي والجمال. لقد نجحت المملكة في تحويل الفن من دائرة «الاستهلاك» إلى دائرة «الإنتاج والتأثير العالمي». وبين إشادتنا بما تحقق من إبهار وتطلعنا لنصحٍ يضمن الاستدامة، يبقى اليقين ثابتًا: الرياض اليوم هي الوجهة التي يُرسم فيها مستقبل الإبداع العربي، والمحفل الذي يؤكد أن الإنسانية، بمختلف لغاتها، تجتمع دومًا تحت راية الفن والإبداع والترفيه.