أحمد بن محمد الغامدي
ليس من السهل أن تتحدث عن قائد إداري كبير دون أن تطغى الأرقام والمناصب على الجوهر الإنساني، لكن الأمير سعود بن عبد الله بن ثنيان آل سعود يمثل حالة في هذا الجانب، فحين يُذكر اسمه، لا يستحضر الناس فقط مدنًا صناعية عملاقة أو شركات عالمية، بل يتذكرون قبل ذلك إنسانًا حمل القيم في قلبه، وجعل من برّ الوالدين منهج حياة، لا قصة عابرة تُروى في المناسبات.
في ظهوره اللافت عبر برنامج «ثمانية»، لم يكن الأمير سعود يتحدث من منصة المسؤول، بل من موقع الابن لهذا الوطن، والإنسان، وصاحب التجربة الطويلة مع الحياة، جاء حديثه هادئًا، صادقًا، محمّلًا بقصص إنسانية مؤثرة شكّلت وجدانه منذ طفولته، ورافقته في مسيرته العامة وهو يتنقل بين مواقع المسؤولية، واضعًا خدمة الوطن والإنسان في مقدمة أولوياته.
لم تأتِ الثقة التي نالها من ثلاثة ملوك من فراغ، بل كانت نتاج شخصية قيادية متزنة، تجمع بين الحزم والرحمة، وبين الرؤية الإستراتيجية والاهتمام بالتفاصيل الإنسانية، فمنذ توليه رئاسة الهيئة الملكية للجبيل وينبع، قاد واحدة من أنجح التجارب التنموية في تاريخ المملكة، وأسهم في تحويل الجبيل وينبع إلى مدن صناعية عالمية تُدار بمعايير عالية، وتحتضن الإنسان قبل المشروع، كما امتدت تجربته القيادية إلى رئاسته مجلس إدارة شركة سابك، حيث دعم مسيرتها العالمية ورسّخ حضورها في صناعة البتروكيماويات.
غير أن ما يرسّخ مكانة الأمير سعود في الذاكرة ليس حجم المشاريع، بل القرارات الإنسانية التي اتخذها في مواقع المسؤولية، ففي موقف أصبح مثالًا يُحتذى، اشترط خلال رئاسته للهيئة الملكية وسابك للموافقة على ملف التأمين الطبي، إضافة والدي الموظف ضمن التأمين، لم يكن ذلك بندًا إداريًا عاديًا، بل رسالة أخلاقية عميقة مفادها أن برّ الوالدين مسؤولية مجتمعية، وأن القائد الحقيقي هو من يترجم القيم إلى أنظمة تحمي الناس وتخفف عنهم أعباء الحياة.
ويمتد هذا النهج الإنساني إلى مبادرته الرائدة في تكريم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز «حفظه الله» بمناسبة مرور خمسين عامًا على توليه إمارة الرياض. فقد كان الأمير سعود صاحب الفكرة، والدافع الأساسي لإنشاء مركز الملك سلمان الاجتماعي (مركز الملك سلمان للمسنين)، ليكون صرحًا يعكس ثقافة الوفاء، ويخدم كبار السن والأسر، ويجسد احترام المجتمع لتجاربهم وعطائهم، ولم يتوقف دوره عند التأسيس، بل واصل دعمه ورئاسته لمجلس إدارة المركز، إيمانًا منه بأن العمل الاجتماعي مسؤولية مستمرة لا تنتهي بافتتاح المشاريع.
وعلى مدى ما يزيد على عقدين، ترك الأمير سعود بن ثنيان بصمات راسخة في القطاع الصناعي والتنموي، وأسهم في تمكين الكفاءات الوطنية، وبناء بيئات عمل إنسانية ومستدامة، مؤمنًا بأن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا حين يشعر الإنسان بالأمان والتقدير.
هكذا تتجلى صورة الأمير سعود الثنيان: قائدٌ ناجح، ومسؤولٌ أمين، وابنٌ بارّ جعل من برّ الوالدين بوصلة لقراراته، ومن الإنسانية روحًا لمسيرته، ولذلك لم يكن مجرد مسؤول مرّ من المناصب، بل أيقونة تُلهم، وقصة تُروى، وقيمة تُحتذى.