محمد بن عيسى الكنعان
خرج الاستعمار الغربي (الأوروبي) من منطقتنا العربية على مراحل متتابعة، بدأت في الثلاثينيات الميلادية من القرن العشرين (الماضي) باستقلال العراق، وزادت وتيرة خروجه بشكل فعلي خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، التي انتهت عام 1945م كما في بلاد الشام ومصر، واستمر الخروج حتى السبعينيات التي تُعد فترة نهاية الاستعمار الغربي؛ حيث نالت كل من سلطنة عمان، والإمارات، والبحرين، وقطر الاستقلال عن بريطانيا عام 1971م.
بالمناسبة المملكة العربية السعودية بكامل كيانها اليوم لم تُحتل من أي مستعمر، ما يؤكد ميزتها السياسية وخصوصيتها الدينية، فالدولة السعودية تأسست عام 1727م على يد الإمام محمد بن سعود (يرحمه الله)، وأعُيد توحيدها عام 1932م على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود (طيب الله ثراه)، ومن تاريخ التأسيس إلى يومنا هذا بمدة تربو على 298 عامًا لم تسقط الدولة -ولله الحمد- إنما كان هناك فترتا انقطاع محدودتان.
عودًا على بدء؛ عقب رحيل الاستعمار الأوروبي (البريطاني، والفرنسي، والإيطالي) تشكلت أغلب كيانات الدول العربية بجغرافيتها الحالية، وأنظمتها السياسية، وتوجهاتها الفكرية، ونسيجها الاجتماعي، حيث دخلت في أطوار البناء الاقتصادي، والتنمية المجتمعية، والتشكّل السياسي، وما صاحب ذلك من انقلابات عسكرية وحياة سياسية متقلبة في بعض الدول ذات الأنظمة العسكرية، حتى استقرت اليوم بـ22 دولة عربية تتنوع ما بين مملكات وجمهوريات ومشيخيات. هذا التنوع راح يرسم طبيعة هذه الدول، وحركتها السياسية، وقوة سيادتها، وثقلها الإقليمي، وبالتالي يعكس دورها الفعلي في منطقتنا العربية الممتدة على قارتي آسيا وإفريقيا، وتأثيرها الدولي.
لذلك، فلكي تعرف طبيعة كل دولة عربية في الميزان السياسي بغض الطرف عن حجمها ومقوماتها؛ فلابد أن تعرف دورها الفعلي في محيطنا الإقليمي وأثر سلوكها السياسي دوليًا، تلك الطبيعة لأية دولة عربية لا تخرج عن أربعة نماذج، إما دولة مركزية، أو دولة حاضرة، أو دولة هامشية، أو دولة وظيفية.
الدولة المركزية هي الدولة المحورية في الوطن العربي الكبير، مثل المملكة العربية السعودية، أو مصر، هنا نتحدث عن دولة لا يمكن تجاوزها أو حتى تجاهلها، دولة لها عضوية في تكتلات عالمية، دولة لها تأثير سياسي واعتبار وجودي في كل قضايا الأمة العربية، دولة تتميز بحجمها الجغرافي، وموقعها الاستراتيجي، وعراقتها السياسية، وقدراتها العسكرية، وتعدادها السكاني، وتاريخها الحضاري، وإرثها الثقافي. دولة تملك قرار سيادتها، وتستطيع الدفاع عن نفسها، ولها دور بالغ وحضور مؤثر في كل الأزمات التي مرت أو تمر بها الأمة العربية أو المحيط الإقليمي عمومًا، لذلك تجد العالم - وتحديدًا الدول الكبرى - يتعامل معها بكل اعتبار واحترام؛ لأنه يُدرك أن وجودها مهم وغيابها مؤثر.
في مقابل ذلك؛ هناك النموذج الثاني المتمثل بالدولة الحاضرة، التي تملك مقومات وموارد اقتصادية جيدة، ومساحتها الجغرافية كبيرة أو متوسطة، لكنها ليست مركزية، إنما لها حضور واضح وتُشكل عامل ترجيح في الموازين العربية بحكم علاقاتها الثنائية مع الدول.
النموذج الثالث هو الدولة الهامشية، أي الدولة غير المؤثرة، سواءً لصغر حجمها، أو طرفية موقعها، أو قلة إمكاناتها الاقتصادية، أو ضعف قدراتها العسكرية، وأحيانًا وضعها السياسي بسبب إشكالات داخلية.
أما النموذج الرابع فيتمثل في دولة تعتبر مختلفة تمامًا عن نماذج الدول الثلاثة السابقة رُغم القواسم المشتركة بينها وبين الدول العربية الأخرى؛ وهي الدولة الوظيفية التي تملك موارد اقتصادية ممتازة، ومستقرة سياسيًا، لكنها تنتهج سلوكًا سياسيًا خاصًا بها من حيث استقلالية قراراتها بعيدًا عن الإجماع العربي، وهي تعمل على تحقيق مصالحها بكل وسيلة ممكنة حتى لو كانت على حساب مصالح العالم العربي، ولها في ذلك طريقتان، الأولى أنها تضع لها موطئ قدم في دولة أخرى من خلال الاستثمار والدعم في مشروعات ضخمة واستراتيجية، بحيث تستطيع مستقبلًا أن تؤثر على قرار هذه الدولة وتتحكم في توجهات طبقتها السياسية بما يخص أزمات المنطقة العربية أو المحيط الإقليمي.
والطريقة الأخرى أن الدولة الوظيفية تنخرط في مشروعات سيطرة ونفوذ بالمنطقة العربية، مثل المشروع الصهيوني، بحيث تؤدي دور الوكيل عنه مستغلةً صفتها العربية لإنجاح هذا المشروع، من خلال إنشاء فصائل وميليشيات ودوائر في مفاصل هذه الدولة (دويلة داخل الدولة)، وعندما تحين ساعة الصفر تقوم الدويلة بالانقلاب على الشرعية. وواقع المشهد العربي اليوم يؤكد أن مشكلتنا في الدولة الوظيفية وصمام الأمان -بعد الله- الدولة المركزية.