صالح الشادي
مع مطلع كل عام، تطلّ علينا العناوين ذاتها: تنبؤات تمطط أشرطة الزمن، وادعاءات بقراءة المصير، وكأن الغد كتاب مفتوح الصفحات. ينجذب بعضهم إلى هذه الأصوات، وكأنها منجاة من قلق المجهول، ولكن في خضم هذا الضجيج، تبقى حقيقة ثابتة تهزّ أساس كل هذه الادعاءات: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 59]. هذا اليقين الإيماني ليس مجرد شعار، بل هو العدسة الأوضح التي نرى من خلالها ظاهرة «العرافة» على حقيقتها.
إن الإقبال على من يدعون معرفة الغيب، رغم الإيمان بأن هذه المعرفة لله وحده، يكشف عن صراع إنساني عميق، فنحن كبشر، نحمل هماً وجودياً: الخوف من المستقبل والرغبة في التحكم بالمصير. في عالم مليء بالمفاجآت والتحولات، يبدو اللجوء إلى من يمنحنا ولو وهماً بالاطمئنان أمراً مغرياً. هنا، يقدم «العراف» نفسه كطريق مختصر، كاشفاً مزعوماً للستار. لكن التحليل الهادئ يظهر أن معظم ما يقدمه ليس سوى قراءة ذكية للواقع وليس كشفاً للغيب، فهو يربط الأحداث الجارية بأنماط تاريخية (كالتنبؤ باحتمال نزاع في منطقة متوترة) أو يستخدم عبارات عامة تنطبق على حياة أي إنسان (كالتكلم عن تحول أو فرصة). إنه يبيعنا تأويلاً للماضي والواقع على أنه تنبؤ بالمستقبل.
ويكمن سر بقاء هذه الظاهرة في عنصرين: الغموض والنسيان. فتوقعاتهم تكون غامضة وقابلة لتأويلات عدة، وعندما يحدث أي شيء، يُسلط الضوء على ما ظنوا أنه أشار إليه، بينما تُنسى عشرات التنبؤات الخاطئة. كما أنهم يلجأون غالباً إلى تضخيم المشاعر الإنسانية العالمية، مثل القول: «ستمر بفترة صعبة لكنك ستتجاوزها»، وهي جملة تنطبق على غالبية الناس في وقت ما. وهكذا، يبدو وكأنهم «يعلمون»، بينما هم في الحقيقة يقرأون المشتركات الإنسانية ولا يغوصون في الغيبيات.
إذن، لماذا ننجرّ؟ لأنها تُشبع حاجة نفسية آنية. إنها تمنح وهم السيطرة وتخفف مؤقتاً من ثقل المجهول، لكن الثمن الحقيقي قد يكون باهظاً: فهو قد يصل إلى تعطيل العقل وإهمال الأسباب، والاستسلام للخوف من نبوءات وهمية، أو حتى الوقوع في الحزن بسبب توقع النحس. إنه استبدال للتوكل على الله بالخضوع للخوف من توقعات بشر.
لذا، فإن الموقف العقلاني والإيماني المتكامل لا يبدأ بنبذ من يتابع هذه الأمور، بل بفهم جذور الظاهرة. إنه إدراك أن الخوف من الغد طبيعة بشرية، لكن المخرج ليس في الانسياق وراء كل من ادعى كشفه، بل في تحويل هذه الطاقة النفسية إلى فعل إيجابي. الثقة الحقيقية تأتي من الإيمان بأن المستقبل بيد خالق رحيم، مصداقاً لقوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 51].
هذا الإيمان يحررنا من رهبة «القدر المحتوم» الذي يروّج له الدجالون، ويرسخ فينا أن قدرنا هو ما يكتبه الله مع سعينا وأخذنا بالأسباب.
الغد يبقى غيباً، وهذه نعمة إلهية وليست نقصاً. لو علمنا تفاصيله لأفسد علينا حاضرنا قلقاً أو غروراً. بدلاً من البحث عن عرّاف يزيدنا خوفاً، فلنبحث عن علم نافع يزيدنا فهماً للواقع، وعمل صالح يبني غدنا، وتوكل حقيقي يملؤنا طمأنينة. المستقبل المجهول ليس سجناً، بل هو رحمة من الله تمنحنا فرصة الأمل، والتخطيط، والدعاء، والعمل بقلب مطمئن إلى أن ما سيأتي هو خير، لأن الله هو الذي يكتبه.