هدى بنت فهد المعجل
في المجتمعات الإنسانية تنتقل الصور الذهنية عن الأشخاص غالبًا عبر الكلام المتداول لا عبر التجربة المباشرة.
الكلمة قد ترفع إنسانًا أو تهدمه، وقد تصنع قربًا أو تزرع قطيعة. لذلك تصبح مسألة تصديق الحديث المنقول عن الآخرين قضية أخلاقية قبل أن تكون اجتماعية، لأنها تكشف عن طبيعة السامع بقدر ما تصف المنقول عنه.
حين ينقل لك شخص حديثًا سلبيًا عن غيرك، فإن أول ما يجب أن يُطرح ليس: «هل ما قيل صحيح؟» بل: «ما الدافع وراء قوله؟». فليس كل ناقل أمينًا، وليس كل صامت بريئًا. بعض الناس يتخذ من نقل الأخبار وسيلة لإثبات القرب، أو لصناعة نفوذ خفي، أو لإشباع رغبة داخلية في المقارنة والاصطفاف. تصديق هذا النوع من الحديث دون تمحيص يجعل السامع شريكًا في نشر الظلم، حتى وإن لم يقصده.
اللافت أن من يسرع إلى تصديق الكلام عن الآخرين غالبًا لا ينتبه إلى أنه قد يكون الهدف القادم. فالعقلية التي ترى في الغيبة أمرًا عاديًا لا تعرف حدودًا ثابتة، وما يُقال اليوم عن شخص غائب قد يُقال غدًا عن حاضر. هنا تظهر الحكمة في مراقبة سلوك الناس لا أقوالهم فقط، لأن الأفعال أكثر صدقًا وأطول عمرًا من الكلام.
من جهة أخرى، الصمت أحيانًا أبلغ من الرد. فليس كل ما يُقال يستحق المواجهة، وليس كل إساءة تحتاج إلى دفاع. بعض الكلمات تفقد قيمتها حين لا تجد من يتلقفها أو يضخمها. التجاهل الواعي قد يكون شكلًا من أشكال الحكمة، لأنه يحرم الإشاعة من الوقود الذي تعيش عليه: التفاعل.
لكن هذا لا يعني الانسحاب الكامل من العلاقات أو الشك المرضي في الجميع. المطلوب هو التوازن: أن تكون منفتحًا دون أن تكون ساذجًا، وواعيًا دون أن تكون قاسيًا. أن تسمع، لكن لا تسلم حكمك النهائي إلا بعد معرفة وتجربة. فالعلاقات الصحية تُبنى على الحوار المباشر، لا على رسائل منقولة ومشاعر مستعارة.
بالتالي طريقة تعاملك مع الكلام الذي يُقال عن الآخرين تعكس صورتك أنت أكثر مما تعكس صورتهم. اختيارك للتثبت، أو للتجاهل، أو للمواجهة، هو اختيار لقيمك الشخصية. وفي عالم يكثر فيه الضجيج، يبقى الوعي والعدل وضبط اللسان من أندر الفضائل وأكثرها.