د. أنس عضيبات
في الماضي، كان النرجسي يحتاج إلى جمهور واقعي ليقتات على إعجابه، أما اليوم، فقد منحت التكنولوجيا كل فرد منصة كاملة ليكون هو «البطل» الأوحد فيها، لم تعد «النرجسية الرقمية» مجرد سلوك عابر، بل تحولت إلى نمط حياة يقتضي تجميل الواقع واستعراض الإنجازات -وإن كانت وهمية- لإشباع رغبة جامحة في الظهور إذ إننا نعيش في زمن لم يعد فيه الوجود مرتبطاً بالفكر أو العمل، بل بمدى قدرة الفرد على لفت الأنظار في فضاء افتراضي مزدحم بالباحثين عن الاهتمام.
وخلف كل صورة منمقة أو منشور «مدروس»، تختبئ حاجة نفسية عميقة للقبول، ولقد حولت خوارزميات التواصل الاجتماعي المشاعر الإنسانية إلى أرقام جافة؛ فأصبح عدد «الإعجابات» هو المقياس الجديد لتقدير الذات، وهذه التغذية الراجعة الفورية تخلق حلقة مفرغة من الإدمان؛ حيث يشعر المستخدم بالنشوة عند تفاعل الجمهور، ويسقط في فخ الإحباط والعدمية عند تجاهله، مما يجعل استقراره النفسي رهينة في يد غرباء خلف الشاشات.
حيث تتغذى النرجسية الرقمية على ثقافة «الفلاتر»، ليس فقط لتحسين الصور، بل لتزييف الحقيقة بالكامل، ويسعى النرجسي الرقمي لتصدير صورة ذهنية عن حياة مثالية خالية من الكدر، مما يخلق فجوة هائلة بين شخصيته الحقيقية والنسخة الرقمية التي يعرضها، وهذا «الكمال المصطنع» لا يخدع المتابعين فحسب، بل يضع صاحبه تحت ضغط مستمر للحفاظ على هذا القناع، مما يؤدي إلى اغتراب الذات وفقدان الصلة بالواقع المعاش بكل عيوبه وتفاصيله الطبيعية.
ومن أخطر ارتدادات النرجسية الرقمية هي تراجع القدرة على التعاطف مع الآخرين، عندما يصبح الفرد محور كونه الرقمي، يتحول الآخرون في نظره إلى مجرد «أرقام» أو «جمهور» وظيفتهم التصفيق فقط، حيث يقل الاهتمام بقضايا المجتمع وهموم الآخرين مقابل التمركز حول الذات؛ فنرى من يصور نفسه في جنازة أو أمام كارثة إنسانية، لا للمواساة، بل لاستغلال الحدث كخلفية لصورته الشخصية، مما يشير إلى تبلد مخيف في المشاعر الإنسانية الفطرية.
ولم تعد هذه النرجسية مجرد خلل سلوكي، بل أصبحت محركاً اقتصادياً بمليارات الدولارات، فالشركات والمؤثرون يستثمرون في «حب الظهور» لدى الجماهير عبر تسويق نمط حياة لا يمكن الوصول إليه إلا بالاستهلاك المستمر، حيث إننا نشهد تحول «الوجاهة الاجتماعية» إلى سلعة؛ حيث يُدفع الأفراد لتبني سلوكيات نرجسية فقط ليتناسبوا مع معايير «النجاح» التي تفرضها المنصات، مما يحول المجتمع إلى قطيع يركض خلف سراب التميز الرقمي.
إن كسر مرآة «نرجس» الرقمية يبدأ بالوعي بأن قيمتنا كبشر لا تُستمد من شاشة هاتف أو تعليق عابر، حيث نحن بحاجة ماسة لاستعادة التوازن بين حياتنا الواقعية وحضورنا الافتراضي، وتعلم فن «الغياب الواعي» عن ضجيج المنصات، كما أن الشفاء من النرجسية الرقمية يتطلب العودة إلى بساطة العلاقات الإنسانية المباشرة، والإيمان بأن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي نعيشها بكل حواسنا، لا تلك التي نلتقطها لنثبت للآخرين أننا نعيش.