رسيني الرسيني
في الآونة الأخيرة، باتت مقرات العمل مسارح مفتوحة للفعاليات المتلاحقة؛ احتفالا سنويا هنا، ومناسبة موسمية هناك، وأجندة مزدحمة بالمبادرات والأنشطة التي لا تكاد تهدأ.
صور تُنشر، وابتسامات تُلتقط، وخطابات تُلقى، في مشهد يوحي بأن بيئة العمل بلغت ذروة النضج والكمال.
قد يتهيأ للناظر من الخارج أن هذه المنظمات تجاوزت تحدياتها، وحسمت إشكالاتها الإدارية، وحققت أهدافها الإستراتيجية، ولم يبقَ إلا الاحتفاء بالإنجازات. غير أن هذا المشهد البراق، على جماله، قد يخفي خلفه أسئلة أعمق حول جوهر بيئة العمل الحقيقية، وهل ما يُعرض هو انعكاس صادق للواقع، أم مجرد تلميع منظم يُجيد مخاطبة الصورة أكثر من معالجة الجوهر.
بيئة العمل الصحية لا تُبنى بكثرة اللافتات ولا بالمناسبات، بل تُؤسَّس على العدالة قبل كل شيء. العدالة في توزيع الفرص، وفي تقييم الأداء، وفي منح الترقيات، بعيدًا عن المزاجية أو المعايير المزدوجة. كما تعتمد البيئة الصحية على تمكين الموظفين ومنحهم الأدوات التي تساعدهم على التطور، عبر التعليم المستمر، والتدريب الجاد، ونقل المعرفة بوضوح وشفافية. الموظف الذي يفهم ما هو مطلوب منه، وكيف يُقيَّم، وما هو مساره المهني المحتمل، يكون أكثر التزامًا وإنتاجية. فالوضوح يولّد الثقة، والثقة تصنع الانتماء، والانتماء هو الأساس الذي تُبنى عليه أي بيئة عمل مستدامة وقادرة على تحقيق أهدافها.
لا شك أن للفعاليات والأنشطة دورًا إيجابيًا حين تُستخدم بوعي؛ فهي تسهم في تعزيز الروابط بين الموظفين، وتخفيف ضغوط العمل، وبناء روح الفريق، وكسر الجمود اليومي. غير أن هذه الفعاليات قد تفقد معناها النبيل، بل تتحول إلى ممارسة مبتذلة، إذا لم تكن مقرونة ببيئة عمل صحية وعادلة.
فالاحتفال في بيئة يسودها العشوائية، أو الغموض، أو ضعف التقدير، يصبح أشبه بمحاولة تجميل جدار متصدع من الداخل. حينها يشعر الموظف بأن الفعالية ليست إلا قناعًا مؤقتًا، لا يعالج أصل المشكلة، بل يؤجلها. وهنا يفقد الاحتفال قيمته، ويتحوّل من أداة دعم إلى مصدر إحباط مكتوم.
في نهاية المطاف، يبقى المقياس الحقيقي لبيئة العمل هو رضا الموظفين الجادين، أولئك الذين يُعوَّل عليهم في صناعة الفرق وتحقيق القيمة. فهؤلاء، إن غادروا بصمت، أو فقدوا حماسهم، فذلك مؤشر لا تخطئه العين. كما أن نتائج عمل المنظمة، واستدامة إنجازاتها، وقدرتها على تحقيق أهدافها بمرور الوقت، تعكس كثيرًا من حقيقة بيئة العمل فيها. فالأرقام لا تُجمّل، والنتائج لا تُخادع طويلًا. قد تنجح بعض المنظمات في تلميع صورتها لفترة، لكن الواقع المهني كفيل بأن يكشف، عاجلًا أم آجلًا، الفرق بين بيئة تُدار بالشعارات، وأخرى تُبنى على أسس راسخة من العدالة والتمكين والاحترام.
حسنًا، ثم ماذا؟
في بيئة العمل، من الضروري إعادة النظر في بعض الفعاليات ذات الميزانيات الضخمة، التي قد تُرهق المنظمة ماليًا، في وقت يعاني فيه الموظفون من ضعف الحوافز المادية. فترشيد الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو ما يمسّ احتياجات العاملين مباشرة، يبقى خيارًا أكثر منطقية لتحسين بيئة العمل.