زياد الجارد
شهدت المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة حراكًا تنمويًا واسعًا، شمل تطوير البنية التحتية، وتعزيز كفاءة منظومة النقل والخدمات اللوجستية، في إطار رؤية إستراتيجية تستهدف تنويع الاقتصاد وتعظيم الاستفادة من الموقع الجغرافي للمملكة.
وفي هذا السياق، شهد قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية تطورًا ملحوظًا في رفع الكفاءة التشغيلية، وتحسين التكامل مع سلاسل الإمداد الدولية، بما يعكس إدراكًا متقدمًا لدور الموانئ في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز موثوقية حركة التجارة العالمية.
ومع اتساع النشاط التجاري وتنوع مصادر الاستيراد، تبرز أهمية تنويع بوابات الدخول، وتوزيع الأدوار بين الموانئ الوطنية، ليس فقط لتخفيف الضغط عن الموانئ الرئيسة، بل لبناء منظومة لوجستية أكثر مرونة، وقادرة على التكيف مع متطلبات الأسواق العالمية، إذ لا تقاس الكفاءة بالحجم وحده، بل بقدرة المنظومة على الاستجابة السريعة للمتغيرات.
ويُعد عامل الزمن أحد أكثر المحددات تأثيرًا في قرارات الشحن البحري، فكلما طالت مدة الرحلة، ارتفعت التكاليف التشغيلية، وزادت كلفة التأمين، وتجمد رأس المال لفترة أطول في المخزون العائم، ما ينعكس مباشرة على كفاءة سلاسل الإمداد وتنافسية الأسواق.
وتؤكد البيانات اللوجستية أن الموقع الإستراتيجي لشمال المملكة يقلص مدة الرحلة البحرية من أوروبا بما قد يصل إلى 4 أيام، ومن الساحل الشرقي للولايات المتحدة بما قد يصل إلى أسبوع مقارنة بالوصول إلى موانئ أبعد جنوباً، مما يمنح سلاسل الإمداد ميزة زمنية ملموسة تترجم مباشرة إلى كفاءة تشغيلية عالية ووفورات مالية.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يبرز الساحل الشمالي للمملكة على البحر الأحمر كفرصة تطويرية ذات بعد إستراتيجي، ولا يتطلب استثمار هذه الفرص نماذج تشغيلية معقدة، بقدر ما يستدعي تطوير مناطق لوجستية متخصصة للتخزين والتوزيع مرتبطة بموانئ قائمة، تخدم المملكة وتدعم تدفق البضائع إلى العمق البري والأسواق الإقليمية، وتفتح بوابة فاعلة للربط مع الأسواق الإفريقية.
ويبرز ميناء نيوم في ضباء كنموذج رائد وقابل للتطوير، بحكم موقعه الجغرافي وقربه من مسارات الشحن الدولية. فتعزيز دور الميناء كبوابة شمالية مكملة، يمنح سلاسل الإمداد هامش مرونة إضافيًا عند ارتفاع الطلب أو تزايد الضغوط التشغيلية.
وعلى المستوى التطبيقي، تؤكد تجربة تشغيلية حديثة قابلية هذه الفكرة للتنفيذ العملي، ففي يوليو 2025، نجح ميناء نيوم في تنفيذ ممر تجاري إقليمي ربط بين مصر والسعودية والعراق عبر مسار يجمع بين النقل البحري والبري، وأسهم في تقليص زمن وصول الشحنات من مصر إلى أربيل بنسبة تجاوزت 50 % مقارنة بالمسارات التقليدية. ويعكس هذا النجاح ما يمكن أن تحققه مثل هذه الخدمات والممرات عند حسن توظيف الموقع الجغرافي وتكامل البنية التحتية.
ولا ينفصل هذا الدور عن الجغرافيا التاريخية للمنطقة، إذ عُرفت ضباء عبر القرون بوصفها محطة عبور رئيسة على طرق التجارة والقوافل والحج. ويمنح هذا الامتداد التاريخي الموقع بعدًا إضافيًا، حيث تعود نيوم اليوم لتطوير هذا الدور بأدوات حديثة ومتطلبات لوجستية معاصرة.
إن إعادة تعريف دور الموانئ في منظومة اللوجستيات السعودية لا يمثل مجرد توسع في البنية التحتية، بل تعبيرًا عن عبقرية توظيف المكان.
فهي تعكس قدرة المملكة على تحويل الجغرافيا إلى عنصر فاعل في صياغة تجارة دولية أكثر سرعة وموثوقية وكفاءة، وكما عبّر سمو ولي العهد بقوله «طموحنا عنان السماء»، فإن هذا التوجه يجسد همة وطن صلبة قادرة على تحويل الرؤى إلى واقع ملموس يربط القارات ويقود المستقبل.