الهادي التليلي
قد تكون الأحداث مخالفة للتوقعات هذا أمر منطقي جداً، أمر يفترضه المنطق ويرجحه العقل وفق سلاسة وتراتب في الوقائع والأحداث، وقد تكون الانتظارات متوافقة مع التوقعات وهذا أيضا منطقي، ولكن أن يصبح مستقبل العالم لوحة سوداء لا يتوقع مجرياتها حتى صناع القرار في العالم فهذا أمر فعلا يحتاج إلى نظر وتحقيق.
عندما نشر فوكوياما كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير «سنة 1989كان العالم يعيش على وقع الحرب الباردة مما جعل النقاد يرون في الكتاب انتصارا لليبيرالية على حساب الأطروحات الأخرى لأنه يعتبر هذا المنهج هو الأرقى وهو السقف الأعلى للإنسان الأخير الذي يعيش ما بعد الحداثة وهنا جدير بالذكر أن الليبرالية ليست مجرد مفاهيم ونمط بقدر ما هي مجموعة قيم تجعل الانسان يرتقي في جدلية هذه القيم والمبادئ هي روح وجوهر هذا النظام.
والآن على أرض الواقع هل حققت الليبرالية مستهدفاتها الإنسانية وهل فعلا بنت صورة الإنسان الأخير.
ذلك السؤال الذي لا يجيب عنه الواقع بل يسعى بدوره للبحث عنه، فالواقع يسير بغير بوصلة فقط خطط عشوائية دوافعها عرقية وعنصرية تتحكم في الاقتصاد الكوني والعالم، عوضا أن توحد البشرية ومقدراتها في نسق متناغم في الفعل تحولت إلى دكتاتورية دغمائية تتحرك وفق أهواء ومزاجيات تعد بدورها عوائق ايبستمولوجية أمام تطور المعرفة بمعنى أن العائق المعرفي هو المتحكم في سيرورة المعرفة وهذا خطر على النسق الليبرالي ذاته.
فالعالم الذي شهداً تطوراً مذهلاً في عديد المجالات كالسيبرنيتيقا وعلوم الذكاء الاصطناعي
وعلوم الفضاء عاجز على أن يتسامح مع ذاته وأن يحقق مستهدفات النظام الليبرالي الذي لم يخلق ليتصارع مع الأنظمة الاشتراكية وغيرها وإنما ليتجاوز معها.
أن تكون العلوم في خدمة بناء الإنسان فهذا هو روح ما نظر إليه فرانسيس فوكوياما وحلم به وسعى لتنفيذه على أرض الواقع، ولعل المواقع الاستشارية التي شغلها في البيت الأبيض ترسخ الرأي في رغبته تجسيد ما يراه على أرض الواقع.
والآن وبعد 37 عاماً من صدور هذا الكتاب نجد العالم باتجاه إنسان أخير لا بمعنى فوكوياما ولكن بمفهوم رواية آخر مصارعي الساموراي للكاتبة هيلين ديفيت وفيلم آخر السامورائيين للمخرج ادوارد زويك وبطولة توم كروز.
العالم الآن لا يسير وفق بناء الإنسان بألف لام التعريف بقدر ما يسير وفق مصالح أناس فئة قليلة من أثرياء العالم والمثقفين، وكل الفئات المتنورة تعيش لحظة الألم الدائم مثل التي عاشها بطل فيلم آخر السامورائيين.
فعلا سؤال إلى أين يسير العالم؟ سؤال فلسفي اجتماعي سياسي واقتصادي ووجودي
يحيلنا على سؤال بسيط وعميق في نفس الوقت ماذا سيجد أطفال الكوكب الذين يولدون الان بعد عقود من الزمن.
العالم الاقتصادي المتوحش الذي التهم السياسة والمجتمع وكل معنى جميل في الحياة هل سيجد رادعا أخلاقيا أمام نهم الغانم الذي يعيشه هل يستطيع النسق الليبرالي أن يتصالح مع نفسه ويستعيد كنزه القيمي الهارب منه قبل فوات الأوان وتورط البشرية في حرب عالمية قادمة لا محالة؟
أسئلة كثيرة تقف حتى علوم المستقبل ومختبرات صناعة الغد أن تجد له جوابا في خضم ما يعيشه العالم من فوضى في المعنى فالاشتراكيون تخلو عن شيوعية الفكر وتحولوا إلى صناع رفاه استعماري رفاه لهم على حساب الآخرين والليبراليون غرقوا في تحقيق رفاه مجتمعاتهم على حساب كل العالم وبين هذا وذاك سقطت كل حسابات العقل القادر على إيقاف ما يمكن أن يؤدي إلى الصدام.