د. تنيضب الفايدي
الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة، كأنها أحرقت بالنار، والجمع الحرّات والحِرار والأحرّون والحِرُّون، وهي عبارة عن سطوح خشنة سوداء ناتجة عن تطور أسطح اللافا البركانية إلى كتل صخرية، تكون في الغالب زاوية الشكل بفعل عمليات التفتت والتفلق والتشقق الميكانيكية.
وهي في بلاد العرب كثيرة، وكلّ واحد مضافة إلى اسم آخر، كما ذكره ياقوت وغيره، قال الأصمعي: الحرة الأرض التي ألبستها الحجارة السود، فإن كان فيها نجوة الأحجار فهي الصخرة، وجمعها صخر، فإن استقدم منها شيءٌ فهو كراع، وقال النضر بن شميل: الحرة الأرض مسيرة ليلتين سريعتين أو ثلاث، فيها حجارة أمثال الإبل البروك كأنها تشطب بالنار، وما تحتها أرض غليظة من قاع ليس بأسود وإنما سوّدها كثرة حجارتها وتدانيها.
وقال أبو عمرو: تكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شيءٌ مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع، واللابة والحرة بمعنى واحد، أكثرها حول المدينة إلى الشام، والحرات أو ما تعرف باللابات هي عبارة عن مكونات بركانية ذات طبيعة وعرة سوداء اللون، تغطي مساحات كبيرة من الأرض تظهر بكثرة في سلسلة الحجاز.
وتطلق على المناطق البركانية الحرات وهي صخر منصهر يطلق عليه اسم (Lava) نفذ من أعماق الأرض إلى سطحها خلال النشاط البركاني، وبنت بدورها معالم طبوغرافية جديدة، وتتعدد الحرار بالمدينة حيث تحيط بها مجموعة من الحرار من جميع الاتجاهات عدا الجهة الشمالية وهي حرة واقم في الشرق (الحرة الشرقية) وحرة الوبرة (الحرة الغربية) وحرة بني بياضة وحرة شوران وحرة بني قريظة من الجنوب، اشتهرت المدينة المنورة منذ القدم بتلك الحرار، فقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الهجرة -وهو في مكة- بأنه بين اللابتين، حيث ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين». رواه البخاري برقم (3905). وشكلت تلك الحرار حاجزاً دفاعياً ساعد على حماية المدينة من الغارات الخارجية للأعداء، وسهل على المسلمين الدفاع عن المدينة عندما حاول كفار قريش غزوها، ولهذا لجأ المسلمون في غزوة الأحزاب إلى حفر الخندق. ويعدّ هذا الامتياز -تحصين طبيعي للمدينة- من إحدى الأسباب لاختيار المدينة داراً للهجرة ومركزاً للدعوة.
وهذه الحرار يتذكرها الشاعر مع أنه يتنقل بين بصرى وحمص وبعلبك؛ لأنه عاش فيها وسكن بين تلك الحرار فموطنه أحبّ إليه من كلها:
لعمرك للبلاط وجانباه
وحرة واقم ذات المنار
فجماء العقيق فعرصتاه
فمفضى السيل من تلك الحرار
إلى أحد فذي حرض فمبنى
قباب الحي من كنفي صرار
أحبّ إليّ من ريح وبصرى
بلاد شك علي ولا تمار
ومن قربات حِمص وبعلبك
لو أني كنت أجعل بالخيار
ومن الحرار التي اشتهرت بها المدينة النبوية منذ القدم حرة واقم (الحرة الشرقية)، وحرة الوبرة (الحرة الغربية)، وحرة شوران، وحرة قباء وحرة بياضة، وحرة بني سليم، ولكن العلماء ركّزوا على اللابتين (الحرة الشرقية والحرة الغربية) لورودهما في الحديث حيث دخلت الحرتان في تحديد حرم المدينة النبوي من الشرق والغرب.
الحرة الشرقية (حرة واقم):
حرة واقم هي الحرة الواقعة شرقي المدينة المنورة، وهي المراد في قوله صلى الله عليه وسلم (إني أحرّم ما بين لابتيها). رواه مسلم برقم (456)، سميت نسبة إلى رجل من العمالقة اسمه واقم كان قد نزلها في الدهر الأول، وقيل: واقم: اسم أطم من آطام المدينة إليه تضاف الحرة، وتحد المسجد النبوي حرة واقم من الجهة الشرقية وتحد من الجهة الغربية حرة الوبرة. وفي جمادي الآخرة من سنة 654هـ - 1256م انفجر بركان هائل وخلف وراءه كثيراً من أحجار الحرة الموجودة إلى يومنا هذا.
يقول الشيخ عبد القدوس الأنصاري في وصف الحرة الشرقية: «وقد شاهدنا في هذه الحرة فوهة بركانية ذات شق مستطيل جداً، من فوق (دشم) وعندما رأينا لأول مرة، ظننا أنها من آثار الإنسان القديم، ولكن تتبعي لشقها الملتوي أثبت في نظري أنها من الآثار الطبيعية، وبقرب طريق العُريض من هذه الحرة تلول عظيمة، من أطلال الآطام – الحصون – والدور التي كانت مشيدة بهذه الحرة.
وفي منازل بني عبد الأشهل كان حصنهم (واقم) الذي سميت به الحرة والذي قال فيه شاعرهم:
نحن بنينا واقما بالحرة
بلازب الطين والآجر
وقال المرّارُ:
بحرة واقمٍ والعِيسُ صُعْرٌ
ترى لِلُحَى جماجِمها تَبيعا
وبهذه الحرة كانت وقعة الحرة المشهورة في أيام يزيد بن معاوية في سنة 63هـ.
وقال محمد بن بجرة الساعدي:
فإنْ تقتلونا يومَ حرّة واقمٍ
فنحنُ على الإسلام أوّلُ من قُتِلْ
ونحنُ تركناكم ببدرٍ أذلةً
وأُبْنا بأسيافٍ لنا منكمُ نَفَلْ
فإنْ ينجُ منكم عائذُ البيتِ سالماً
فما نالنا منكم وإن شفَّنا جَلَلْ
وقال عبيد الله بن قيس الرُّقيّات:
وقالتْ: لو أنَّا نستطيعُ لزاركُمْ
طبيبان منا عالمان بدائِكَا
ولكنَّ قومي احدثُوا بعد عهدِنا
وعهدِكَ أضعافاً كبعضِ نسائِكَا
تُذكِّرني قَتْلَى بحرة واقِمٍ
أصِبْنَ وأرحاماً قُطِعْنَ شوائكَا
وقد كان قومي قبلَ ذاكَ وقومُها
قُروماً زَوَتْ عَوْداً من المجدِ نَائكَا
فَقُطِّعَ أرحامٌ وقصتْ جماعةٌ
وعادت روايا الحِلمِ بعدُ ركائكا
قال الشاعر:
أقولُ وداري بالعراق ودارُها
حِجازيّةٌ في حرّةٍ وسُهوبِ
وكلُّ قريب الدار لابدّ مرّةً
سيُصبحُ يوماً وهو غيرُ قريب
سقَى منـزلاً بين العَقيقِ ووَاقمٍ
إلى كلّ أُطْمٍ بالحجاز ولُوبِ
خذُوا لي مِنها جرعةً في زُجاجةٍ
ألا إنّها لو تعلمون طبيبي
فرُشوا على وجهي أُفِقْ من بَليّتي
يُثيبُكمُ ذو العرش خيرُ مثيبِ
الحرة الغربية (حرة الوبرة):
تقع بضاحية المدينة الغربية، وهي أقربُ إلى المدينة بالنسبة لحرة واقم، وتمتد من الشمال في ديار بني سلمة بالقبلتين إلى وادي رانوناء في الجنوب من غربي العصبة إلى الجنوب، وتنقسم هذه الحرة إلى ثلاثة أقسام أساسية:
1 - حرة بني سلمة في منطقة القبلتين، وفيها منازلهم ومقبرتهم، وهي تقع في طرف الحرة الغربية الشمالية (حرة الوبرة).
2 - القسم الأوسط من هذه الحرة يطلق عليه اسم حرة الوبرة وهو من العنابس غرباً إلى جبيلي الأصفرين (وهما جبلان صغيران بحرة الوبرة الواقعة وسط الحرة الغربية في المدينة المنورة)، وفي الجهة الجنوبية والشرقية لهما توجد منطقة النقا وهي مكان اعتدال هذه الحرة وتتميز بنقاء جوها وعذوبة ماء آبارها فتوجد فيها أرض سعد بن أبي وقاص وبئر السقيا.
3 - الحرة الجنوبية وتعرف بحرة بني بياضة.
وفي هذه الحرة الجنوبية وقف الابن عبد الله على وجه أبيه عبد الله بن أبي المنافق ومنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك عند عودتهم من غزوة المريسيع؛ لأن عبد الله رضي الله عنه سمع أن أباه وصف رسول الله بأنه الأذل.
وتختلف حرة الوبرة عن حرة واقم بكثرة الهضاب والتلاع والمستنقعات والمنخفضات والمرتفعات، وقريباً منها بئر عروة بطريق مكة القديم، وبهذه الحرة المدرج الذي يقال إنه ثنية الوداع أيضاً- وهو قول ضعيف -، ومن تحت طرفها الغربي قصر عروة وبئره ومزارعه وبعض قصوره، وبطرفها الشمالي مسجد القبلتين، وهي إحدى اللابتين اللتين تحدان حرم المدينة وبطرفها الجنوبي الغربي أطم الضحيان وقلعة قباء.
وقد جاء ذكر حرة الوبرة في حديث أهبان بن أوس الأسلمي الصحابي الملقب مكلّم الذئب وحديث: (كان يسكن يَبْنَ، وهي بلاد أسلم، فبينما هو يرعى غنماً له بحرة الوبرة، فعدا الذئب على شاةٍ منها فأخذها، فتنحّى الذئب فأقعى على ذنبه، وقال: ويحك، لم تمنع مني رزقاً رزقنيه الله؟ فجعل أهبان الأسلمي يصفق بيديه، ويقول: تالله، ما رأيت أعجب من هذا، فقال الذئب: إنّ أعجب من هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين هذه النخلات، وأومأ إلى المدينة، فحدر أهبان غنمه إلى المدينة وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه، فعجب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك وأمره إذا صلى العصر أن يحدِّث به أصحابه، ففعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق في آيات تكون قبل الساعة).
حرة شَوْرَان :
يقع شوران في الجنوب الشرقي للمدينة المنورة، هكذا ذكر جميع مؤرخي المدينة قديماً وحديثاً. وتمتد حرة شوران لتتصل بحرة بني قريظة في الجنوب الشرقي للمدينة المنورة، وقد غطيت بالبنيان حالياً. قال ياقوت: قال بعضهم: (أكلتها أكل مَنْ شَوران صارمةُ). يقال: شُرْتُ الدابة شوراً إذا عرضتها على البيع، ولعلّ هذا الموضع قد كانت تعرض فيه الدواب، قال نصر: شوران وادٍ في ديار سليم يفرغ في الغابة، وهي من المدينة على ثلاثة أميال.
وقال أبو الأشعث الكندي: جبلٌ عن يسارك، وأنت ببطن العقيق تريد مكة، يُطلّ على السد مرتفعٌ وفيه مياهٌ كثير يقال لها: البَجَيرات وعن يمينك حينئذ عَيرٌ. قال الفيروز آبادي: جبلان أحمران عن يمينك، وأنت ببطن العقيق تريد مكة وعن يسارك شَوران وهو جبل مطل على السد. روى الزبير بسندٍ عن محمد بن عبد الرحمن قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلاً في السوق فأعجبه سمنها. فقال: «أين كانت ترعى هذه؟» قالوا: بحرّة شوران، فقال: «بارك الله في شَوران».
قال عرّام: ليس في جبال المدينة نبت ولا ماء غير شوران، فإن فيه مياه سماء كثيرة وفي كلها سمك أسود مقدار الذراع وما دون ذلك أطيب سمك يكون، وحذاء شوران جبل يقال له ميطان، كانت البعُوم صاحبة ريحان الخضري نذرت أن تمشي من شوران حتى تدخل من أبواب المسجد كلها مزمومة بزمام من ذهب فقال شاعر:
يا ليتني كنت فيهم يوم صبَّحهم
من نقب شوران ذو قرطين مزموم
تمشي على نجس تدمي أناملها
وحولها القُبطُريات العياهيم
فبات أهل بقيع الدار يفعمهم
مِسكُ ذكي وتمشي بينهم رِيمُ
قال البكري: موضع في ديار بني جَعْدة ذكره في رسم ظلم قالت الأخيليّة:
أتاني من الأنباء أن عشيرتي
بشوران يزجون المطي المنعَّلا
وقال أبو شجرة بن عبد العُزَّى السلمي، واسم أبي شجرة عمرو وأمه الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد:
ثم ارعويتُ إليها وهَيْ حانيةٌ
مثل الرتاج إذا ما لزه الغَلَق
أقبلتُها الخلّ من شوران مصعدة
إني لأزرى عليها وهي تنطلق
حرة قباء:
هي في قبلي المدينة وقد جاء ذكرها في الحديث الطويل الذي رواه البخاري في باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (... فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف). رواه البخاري برقم (3906).
حرة بياضة:
حرة بياضة بها كان رجم ماعز رضي الله عنه، يقول أحد المؤرخين: «أن حرة بياضة هي بعض الحرار الغربية، ويمكن اعتبارها أول الحرة الغربية من جهة الجنوب باعتبار أن حرة بني سالم فوقها من قسم الحرار الجنوبية ثم يلي حرة بياضة من الشمال حرة بني دينار حيث أن بني بياضة في شمال بني عمرو ابن عوف ومنهم عطية من بني زيد وتمتد دارهم إلى بئر جاره المشرفية فتكون حرتهم من الناحية الغربية، ما يوالي بئر الحلوة فترتفع جنوباً إلى قلعة قباء التي هي في غرب مسجد الجمعة ويكون ما في شمالهم حرة بني دينار وهي التي تلي منطقة المغيسلة».
هذه هي بعض حرار المدينة الشهيرة، وهناك حرار أخرى مثل: حرة ليلى وحرة ميطان وحرة رهاط، وإن كانت المدينة متصلة بها، ولاسيّما حرة ليلى (حرة خيبر). ويرى الكاتب أهمية معرفة تلك الحرار؛ لأنها جزء من ثقافة المدينة النبوية وجزء من الوطن الغالي فدراستها مهم للغاية؛ لأن ارتباط المسلم والمسلمة بثقافة المدينة يقوي الثقة بالنفس ويعزز الشعور بالقوة، وكلّ ما يتعلق بهذه المدينة المباركة موروث ثقافي مهم، وما لم تتم دراسة تلك الثقافة بشكل جاد ودقيق، فستفقد المدينة جزءاً من تاريخها.
المراجع:
أخبار المدينة المنورة لابن زبالة، تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، المغانم المطابة في معالم طابة للفيروز آبادي، وفاء الوفا للسمهودي، معجم البلدان للحموي، أصول الجيومورفولوجيا لـ: حسن رمضان، موسوعة أسماء الأماكن في المملكة العربية، آثار المدينة المنورة للأنصاري، معاهد وشواهد، شعرية مكان للدكتور/ تنيضب الفايدي، تاريخ طيبة في خير القرون للدكتور/ تنيضب الفايدي، مكة والمدينة في الجاهلية وعصر الرسول صلى الله عليه وسلم لـ: أحمد إبراهيم الشريف، الحجاز والدولة الإسلامية لـ: إبراهيم بيضون، معجم جبال الجزيرة لابن خميس، الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم للشنقيطي.