م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
الغرب المستعمر قدَّم نفسه بصورة كريهة للمجتمعات الشرقية، وصُنِّف بسببها كل معجب بالتقدم الغربي على أنه رهين لفكر المستعمر وعبد تابع له، بل وعميل يجب محاربته والحذر منه.. هذا جعل تقديم كل فكرة حديثة أو نقد أي فكرة قديمة أو عادات وتقاليد وأعراف مجتمعية يعد اعتداء على الثقافة المجتمعية، وأنها محاولة استعمارية غربية لاختراق ثقافة المجتمع واستعمار عقول أفراده كما استعمر أرضيهم.. وبالتالي ارتفعت دعوات الانطواء على الذات والتمسك بالقديم على أنه الأصالة، وأن الجديد ما هو سوى ثقافة مزيفة لها غاية واحدة وهي تفكيك المجتمع وتسهيل اختراقه.. منها برزت الأصوات الداعية إلى الانكفاء الداخلي ومحاربة أية فكرة تنموية فقط لأنها آتية من الغرب.
شيطنة كل ما هو غربي حتى لو كانت فكرة محايدة حرة من كل معنى قيمي، ولا تحمل أي معنىً آخر غير التنمية والتقدم، لكن يتم تشويهها مقابل أن يتم تهذيب الفكرة المحلية وتقديمها على أنها فكرة مخلصة نظيفة غايتها مصلحة المجتمع، بمعنى أنه يتم تقديم الفكرة غير الأخلاقية المعطلة تنموياً المفسدة مجتمعياً على أنها الفكرة الصحيحة فقط لأنها محلية، مقابل النهي عن الفكرة التنموية التقدمية البحتة التي غايتها الوحيدة مصلحة المجتمع فقط لأنها غربية.. هذا قَلَب القيم في المجتمع وجعل الجاهل أرفع مقاماً من المتعلم، وحبذ الرجوع إلى الوراء بدلاً من التقدم أماماً، وأوهم الناس بأن من يدعو للتقدم يُعَد من الخبيثين، وأن من يدعو إلى التوقف من الطيبين، هذا الحكم المسبق أسكت كل من له رأي خوفاً من أن يُعَد من الخبيثين.
شيطنة الغرب لم تمنع أفراد المجتمعات الشرقية من الهجرة أو اللجوء إلى الغرب، وأخذوا معهم فكر شيطنة الغرب، فتقوقعوا في حيازات منعزلة، منفصلين عن المجتمع الذي استضافهم، وعاش بينهم يتلقى خدماتهم من تعليم وطبابة ورعاية اجتماعية وإعاشة وسكن ومع هذا يكرههم، وينأى بنفسه وأبنائه عنهم وكأنهم قوم أنجاس، رغم أنه يشعر بالدونية العميقة تجاههم.. ليس ذلك وحسب لقد أخذ هؤلاء المهاجرين واللاجئين في محاربة كل من حاول الانخراط منهم في المجتمع الغربي وتبني ثقافته والتزاوج معهم والذوبان فيهم، وعَدَّ ذلك خيانة للوطن وانحرافاً في الدين وتفلتاً من ثقافة المجتمع الشرقي وأخلاقياته، فيوصف بالانحلال والارتداد كأقل ما يمكن أن يوصف به.. وتم إحلال ثقافة التشرد والبؤس والجهل والانزواء كقيم يجب احترامها لأنها تعني الاستقلال والتمسك بالدين وأعراف المجتمع الشرقي الذي هرب منه!
مقاومة الاستعمار من خلال شيطنة كل ما هو غربي وَلَّد حالات معيقة.. فقد جعل مهمة مثقفي المجتمعات الشرقية أن يجدوا المبررات والدوافع التي يجب بسببها كراهية الغرب والتمسك بما ورثناه، وأنه لا فكاك لنا من هذا الأسر الغربي لعالمنا الشرقي إلا بنفي كل ما هو غربي ومعاداته.. وحيث إننا لم نستطع ابتكار ما هو حديث في الفكر أو الصناعات فكان لا بد من العودة إلى الوراء ومحاولة إحياء ما يمكن إحياءه.. هذه الحالة الملتوية في التفكير خلقت حالات من الأفكار المبتورة، المنقطعة الصلة بالواقع المعاش، لكن لا بد من لي ذراع الحقيقة مهما كلف الثمن، المهم أن نبتعد بأنفسنا عن التشبه بالغرب.