إعداد - سعد السناني:
في أمسيَةٍ عِلْمِيَّةٍ فَرِيدَةٍ بعنوان: (الشّوقُ والحنينُ لمدينةِ خيرِ المرسلين صلى الله عليه وسلم)، أطلق مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة البرنامج الثقافيّ والعلميّ لعام 2026م، الّتي قدّمها الدكتورِ عصامِ بنِ ناهضٍ الهِجاريِّ الشريفِ، مستشارِ سموِّ أميرِ منطقةِ المدينةِ المنوَّرةِ سابقًا، وعضوِ هيئةِ التدريسِ بجامعةِ طيبةَ. بحضورِ جمعٍ من أصحابِ المعالي والسّعادةِ، والمهتمينَ بتاريخِ المدينةِ.
تخلَّلها مقدِّمةٌ أدبيّةٌ من الأديبِ والباحثِ في تاريخِ الحركةِ الأدبيةِ في المدينةِ: الدكتورِ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدُّبيسيِّ.
ثم بدأتِ المحاضرةُ التي استعرضَ فيها المحاضرُ صورًا من الشوقِ والحنينِ لمدينةِ خيرِ المرسلين - صلى الله عليه وسلم-، وجعلها في عدةِ بحورٍ ومشاهدَ.
فالبحرُ الأوّلُ: استعرضَ فيه صُورَ شوقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومحبتِه للمدينةِ المنوَّرةِ، في مشاهدَ عدةٍ قبلَ هجرتهِ إليها وبعدها، منها:
المشهدُ الأولُ: تطلُّعُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشوقُه للمدينةِ المنوَّرةِ، وغرسُ اللهِ ذلك في وجدانهِ الشريفِ، بأنهُ رآها في المنامِ قبلَ هجرتهِ إليها، فكان صلى الله عليه وسلم يقول:
(إني أُريتُ دارَ هجرتِكم ذاتَ نخلٍ بينَ لابتين).
والمشهدُ الثانيُ: أنَّ اللهَ أمرَ نبيَّه بدعائهِ أن ينتقلَ إليها، فقال تعالى: {وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}، وبيَّن أنَّ جمهورَ المفسّرينَ ذكروا أنَّ مدخلَ صدقٍ في الآيةِ هو المدينةُ، ومخرجَ صدقٍ هو مكةُ، وأنَّ في تقديمِ المدينةِ في الذكرِ معنىً لطيفًا لسبقِها في التصديقِ ونصرةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فكانت دولةُ الإسلامِ منها.
والمشهدُ الثالثُ: في أمرِ اللهِ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بالهجرةِ إليها، كما في قولهِ: (أُمرتُ بقريةٍ تأكلُ القرى، يقولون: يثربَ، وهي المدينةُ).
والمشهدُ الرابعُ: في هجرةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إليها، وكيف كانت بدايةُ قصةِ حبِّ المدينةِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما في حديثِ أنسٍ: (لمّا دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أضاءَ منها كلُّ شيءٍ).
ثم أوضحَ المحاضرُ معانيَ في حبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لها، بأنهُ كان يدعو اللهَ له ولأمتهِ بحبِّها، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهمّ حبِّبْ إلينا المدينةَ، كحبِّنا مكّةَ أو أشدَّ).
وأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كما في الحديثِ هو أوَّلُ المُحِبِّينَ لها أصالةً، وأمَّتُهُ بالتَّبعيَّةِ، وذكر كيف أنَّ اللهَ استجاب دعاءَه، فكان صلى الله عليه وسلم -وهو من تشرّفت وتباركت المدينةُ بهجرتهِ إليها- إذا خرجَ عنها اشتاقَ إليها، كما في حديثِ أنسٍ عند البخاريِّ: (أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا قدِمَ من سفَرٍ، فنظرَ إلى جُدُراتِ المدينةِ، أوضعَ راحلتَه، وإن كان على دابّةٍ حرَّكها؛ من حبِّها).
وتكررَ ذلك كما في حديثِ أبي حميدٍ السّاعديِّ عند مسلمٍ، أنَّه لما عادَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غزوةِ تبوك، ووصلَ واديَ القُرى، قال لأصحابهِ: (إني مُسرعٌ، فمن شاءَ منكم فليُسرعْ معي، ومن شاءَ فليمكثْ )، فخرجنا حتى أشرفنا على المدينةِ، فقال: (هذه طابةُ، وهذا أُحدٌ، وهو جبلٌ يحبُّنا ونُحِبُّه).
والبحرُ الثانيُ: تحدَّث المحاضرُ فيه عن الشوقِ والحنينِ لكلِّ ما في المدينةِ الشريفةِ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذكر صورًا من ذلك بالحبِّ المتبادلِ بين المدينةِ والنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكان كلُّ ما في المدينةِ يحبُّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأحبَّه البشرُ، وأحبَّه الحجرُ، وأحبَّه الشجرُ.
فكان مِثالُ حبِّ البشرِ قصةَ الشوقِ والحنينِ الذي كان يصيبُ ثوبانَ مولى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقصةَ الشوقِ والحنينِ من فاطمةَ بنتِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد موتِ أبيها رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثم قصةَ ما حلَّ بالصحابةِ عند فقدِهم لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وموقفَ أبي بكرٍ في زرعِ الثباتِ في قلوبِهم.
ومن تلك المشاهدِ والصورِ قصةُ الحبِّ المتبادلِ بين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- وجبلِ أُحدٍ، وكيف كان حبُّ جبلِ أُحدٍ له، وبيانُ العلماءِ لمعنى ذلك، وأنَّ حبَّ أُحدٍ كان على الحقيقةِ بأن خلقَ اللهُ ذلك فيه، وذكر شواهدَ من القرآنِ والسنةِ لذلك، وقصةُ حنينِ الجذعِ إليه صلى الله عليه وسلم، وكيف كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يضمُّه حبًّا ليخفّفَ عن الجذعِ ذلك الحنينَ بعد أن تركَ النبيُّ الوقوفَ عليه في خطبتِه بالمسجدِ الشريفِ بعد أن صنعَ له الصحابةُ منبرًا، وأنه بعد ضمِّه للجذعِ قال صلى الله عليه وسلم: (لو لم أحتضنْه لحنَّ إلى يومِ القيامة).
وما كان يقولُه الإمامُ الحسنُ البصريُّ عن ذلك بقولهِ: (يا عبادَ الله، الخشبةُ تحنُّ إلى رسولِ الله شوقًا إليه بمكانِه، فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إلى لقائِه).
والبحرُ الثالثُ: في الشّوقِ والحنينِ إلى المدينةِ بما جاءَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في فضلِها وتشويقِ أمتهِ في محبتِها.
وتجلَّى ذلك في حثِّه على الانتقالِ إليها والعيشِ فيها، فمن حثِّه قوله صلى الله عليه وسلم:
(أُمرتُ بقريةٍ تأكلُ القُرى، يقولون: يثربَ، وهي المدينةُ).
ورغَّب في سُكناها بقوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاعَ منكم أن يموتَ بالمدينةِ فليمتْ فيها، فإني أشفعُ لمن ماتَ بها).
وأكّد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يصبرُ على لأواءِ المدينةِ وشدَّتها أحدٌ من أمتي، إلا كنتُ له شفيعًا يومَ القيامةِ، أو شهيدًا). وزاد من تأكيدِه بقولهِ في فضلِ الدفنِ في بقيعِها: (اللهم اغفرْ لأهلِ البقيع).
ونقلَ كلامَ الشيخِ ابنِ عثيمينَ، والشيخِ البسّامِ، عضوي هيئةِ كبارِ العلماءِ، بأنَّ هذا الفضلَ عامٌّ لمن كان في زمنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومن جاءَ بعده في كلِّ زمانٍ؛ لأنَّ الأصلَ في الحديثِ العمومُ، ولا مُخصِّصَ لهذا العموم.
ثم بيَّن أنَّ من التشويقِ النبويِّ للمدينةِ حلولَ البركةِ في كلِّ مناحي الحياةِ بها، طعامًا وعيشًا وعبادةً وتعليمًا وصحَّةً، ويجمعُها ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (اللهم باركْ لنا في ثمرِنا، وباركْ لنا في مدينتِنا، وباركْ لنا في صاعِنا، وباركْ لنا في مُدِّنا، اللهم إنَّ إبراهيمَ عبدُك وخليلُك ونبيُّك، وإني عبدُك ونبيُّك، وإنه دعاكَ لمكةَ، وإني أدعوكَ للمدينةِ بمثلِ ما دعاكَ لمكةَ، ومثلِه معه).
وأنَّ ذكرَ هذه الأفرادِ على وجهِ التعيينِ، وما جاءَ في دعاءِ إبراهيمَ عليه السلامُ لمكّةَ، دليلٌ على أنها بركةٌ عامّةٌ في كلِّ شيءٍ، وليست خاصة في أمر معيّن ويجمعُها قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (يأتي على النَّاسِ زمانٌ يدعو الرَّجلُ ابنَ عمِّه وقريبَه: هلُمَّ إلى الرَّخاءِ هلُمَّ إلى الرَّخاءِ والمدينةُ خيرٌ لهم لو كانوا يعلَمونَ).
ثم ذكرَ المحاضرُ جملةً من الأحاديثِ في فضلِها في كلِّ المناحي.
ثم ذكرَ كيف حَبَّ الصحابةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، وحُبَّهم للمدينةِ لحبِّه صلى الله عليه وسلم، وانتقالَ هذا الحبِّ للأمةِ جميعًا بدءًا بالتابعينَ، وذكرَ ما قاله الأئمةُ في ذلك، ومنهم الإمامُ مالكٌ الذي سُئل: (اخترتَ مقامَك بالمدينةِ وتركتَ الرّيفَ والخصبَ؟ فقال: وكيف لا أختاره، وما بالمدينةِ طريقٌ إلا سلكَ عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وجبريلُ عليه السلامُ ينزلُ عليه من عندِ ربِّ العالمينَ في أقلَّ من ساعةٍ).
ثم ذكرَ كيف كان الإمام مالك يوصي الخلفاءُ بذلك، وأنه قال: (دخلتُ على المهديِّ - الخليفةِ العباسيِّ - فقال: أوصني، فقلتُ: أوصيكَ بتقوى الله وحده، والعطفِ على أهلِ بلدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وجيرانِه).
والبحرُ الرّابعُ: تحدَّث المحاضرُ عن الشوقِ والحنينِ للمدينةِ عند علماءِ المدينةِ المنوَّرةِ بالتأليفِ في تاريخِها وفضلِها، وكان يظهرُ ذلك جليًّا في عناوينِ المؤلّفاتِ في فضلِها، التي كلها شوقٌ وحنينٌ لفضلِ المدينةِ وتاريخِها والتي شابهت جمال الشعر العربي والجاهلي القديم الذي يستفتح بالشوق والحنين والبكاء على الأطلال، وضرب مثالًا: «المغانمُ المُطابةُ في معالمِ طابةَ»: للفيروزآباديِّ، و»وفاءُ الوفاءِ في أخبارِ دارِ المصطفى»: للسمهوديِّ، وتحدَّث كيف أنَّ اللهَ باركَ في علمِ مؤرّخها السمهوديِّ في خدمةِ تاريخِ المدينةِ وبيانِ فضلِها، واصفًا إياه بأنه جمعَ جُلَّ ما كُتبَ قبله وأتعبَ كلَّ مَنْ يأتي بعده.
ثم استعرضَ المحاضرُ في لمحةٍ سريعةٍ بدايةَ تدوينِ تاريخِ المدينةِ ومراحلهِ، وأنَّ أهمَّ مراحلهِ هي مرحلةُ التأسيسِ لفنٍّ مستقلٍّ بتاريخِ ال مدينةِ، بدأت في نهايةِ القرنِ الثاني، ووُضعت فيها مؤلفاتٌ يمكنُ وضعُ مصطلحٍ لها بالكتبِ الخمسةِ في أخبارِ المدينةِ، كلها بعنوانٍ واحدٍ: (أخبارُ المدينةِ)، تعاقبَ عليها خمسةُ علماءَ في زمنٍ متقاربٍ، كانت لابنِ زُبالةَ، ثم لأبي غسّانَ، ثم للزبيرِ بنِ بكّارٍ، ثم لابنِ شَبَّةَ، ثم ليحيى بنِ الحسنِ العقيقيِّ.
ثم ختمَ المحاضرُ محاضرتَه بأبياتٍ في الشوقِ للمدينةِ لمعالي الدكتورِ عبدِ العزيزِ خوجه عندما كان سفير المملكة في المغربِ، قبل تولّيه وزارة الثّقافة والإعلام.
وذكرَ أيضًا موقفًا في الشوقِ للمدينةِ مرَّ عليه لأحدِ القياداتِ الوطنيةِ من أعيانِ المدينةِ، وكيف كان شوقُه ذلك، حتى باركَ اللهُ حياتَه بالانتقالِ إليها وشرفه بخدمتِها في أهمِّ مناحيها، ثم بشكرِ المركزِ والحضورِ.
وثنَّى بأنَّ هذه المحاضرةَ من سلسلةٍ أطلقها وستستمرُّ بعنوان: (نحنُ بخيرٍ ما دمنا في طيبةَ الطيبةِ). داعيًا اللهَ عزَّ وجلَّ لمن كان سببَها وألهمَ فكرتَها، ولجميعِ من حضرَها.
ثمَّ زادَ اللقاءُ إثراءً عددٌ من التّعليقاتِ والمداخلاتِ لفضيلةِ الشّيخِ صلاحِ البُديرِ، والشيخ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ السُّديريِّ، ومعالي الدكتورِ عبدِ العزيزِ خوجه، ومعالي الدكتورِ محمدِ بنتن، ومعالي الدكتورِ عبدِ العزيزِ السَّراني، ومعالي الدكتورِ أحمدِ نقادي، وبعضِ الحضورِ.
أمسيةٌ تشويقيةٌ تاريخيّةٌ أدبيةٌ لمدينةِ خيرِ البريةِ، زادها جمالًا الحضورُ الكبيرُ اللّافتُ الذي اكتظَّت به القاعة.