حمد عبد العزيز الكنتي
عندما نفكر بالحديث عن الله سبحانه وتعالى نشعر بالكثير من القداسة لأننا نتحدث عن خالق الأكوان، عن من خلقنا وفطرنا على أجمل صورة، عن الإله الذي نعبده ونتوسل إليه بفقرنا له عن الله الذي تنتهي كل مراتب المحبة عند حبه وإجلاله سبحانه وتعالى.
صوّر لنا البعض في سالف الزمن أن علاقتنا بالله هي علاقة خوف ووعيد، علاقة جلاد بمجلود، تبارك ربنا وتعالى عن ذلك.
وتمادى البعض فأظهروا لنا الدين في ثوب الحزن، وألبسوا علاقتنا بالله لباس الخوف، وألحقوا بهذه العلاقة الجميلة ما ليس فيها، وأخفوا كل جوانب الحب التي ذكرها الله عن نفسه تجاه عباده.
علاقتنا بالله ليست مثلما قالوا، بل هي أجمل من ذلك بكثير حيث بدأت من وقت اختيار الله لنا لنكون خلفاءه في الأرض حيث قال للملائكة الكرام: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (سورة البقرة: 30).
وبعد أن أوجدنا في الأرض فطرنا على أجمل صورة، وتجلى ذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (سورة التين: 4)، وأهدى لنا سبحانه التكريم في الحياة الدنيا عندما بقوله: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} (سورة الإسراء: 70).
ومن أفضل أنواع التكريم التي حبانا الله بها هي نعمة العقل، هذه النعمة التي تجعلنا نستطيع أن نفعل كل شيء على وجه هذه الأرض، ثم سخر لنا الأرض وكل ما فيها من أنعام وخيرات، وسخر لنا الجماد والنبات، وسخر لنا كل شيء حتى غدونا نتحكم في كل شيء.
والله سبحانه وتعالى يحبنا وقد صرح لنا بذلك حينما قال «يحبهم ويحبونه» ومن حبه لنا سبحانه انه يرحم ضعفنا ويلطف بنا ويحمينا من كل شر، إذ نجد الشرور تدور حولنا فيحمينا منها، ونرى الصعوبات بأم أعيننا فيزيلها عنا، ونشاهد الخطر فيحفظنا منه، ونرى العدو فيعميه الله عنا، وهكذا يستمر الله في حفظه لنا منذ طفولتنا حتى آخر رمق في حياتنا.
ومن حبه لنا سبحانه أرسل لنا خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ليكون منقذا لنا من الضلال، وليخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد قال سبحانه في محكم التنزيل {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (128) سورة التوبة: 128).
ومن رحمته بنا سبحانه أنه لا يكلفنا فوق وسعنا حيث قال: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (سورة البقرة: 286)، فالتكليف الرباني رحمة لنا؛ لأنه يتوافق مع قدراتنا الإنسانية ومجهودنا البشري.
ومن عنايته بنا ينادينا إذا قصرنا، ويفتح لنا أبوابه دائماً وأبداً، ويقول لنا سبحانه في الحديث القدسي: «يا أبن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم رجوتني لغفرت لك ولا أبالي» فهمها كان تقصيرنا فإنه لا يساوي شيء أمام كرم الله وفضله، وقد قال سبحانه في كتابه الكريم مؤكداً هذا المعنى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (سورة الزمر: 53)، فأي كرم بعد هذا.
والله سبحانه دائم النداء لنا لكي نعود إليه بفقرنا وذلنا وحبنا، فيقول سبحانه {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (سورة البقرة: 186)، ومن لطفه بنا سبحانه يأمرنا أن نفر إليه بتقصيرنا ليغفره لنا حيث قال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ} (سورة الذاريات: 50). نفر إليه بتقصيرنا وذنوبنا لأنه سبحانه يعلم حقيقة ضعفنا، وهو أرحم بنا منا، ورحمته سبقت غضبه كما أخبرنا بذلك «سبقت رحمتي غضبي».
ومن كمال محبته ورحمته بنا أنه أنزل لنا في هذه الحياة الدنيا رحمة واحدة وأبقى لنا تسعا وتسعين رحمة سنجدها في انتظارنا يوم القيامة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول جعل الله الرحمة في مئة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً، وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه» رواه البخاري.
وحديثي اليوم عن علاقتنا بالله هو حديث محب لأن علاقتنا بالله ينبغي أن تكون علاقة محبة وصفاء وذلك هو أصلها، علاقة دائمة رغم كل شيء، لان الله يعاملنا برحمته ولا يعاملنا بعدله.
ومن حبه لنا رحمنا كما تبين في الأدلة السابقة، وهي شيء بسيط من أشياء كثيرة فلا نيأس ولو عظمت ذنوبنا لأن خلفنا رب رحيم، ومن ذاق طعم محبة الله سيخجل كثيرا من معصيته دون أن يحتاج إلى وعيد أو تقريع.
وعلاقتنا بالله أسمى من أي علاقة في الكون؛ لأن الله يحبنا ويسامحنا على أخطائنا ويغفر لنا، بل ويحب دعاءنا، ولا يقبل منا أن نفكر في سواه، والأصل أن نلجأ إليه في كل الأمور، وندعوه راغبين في كل الظروف، ونبتهل إليه رغم كل الخطوب، ولا نيأس من رحمته وكرمه لأن في كل صعوبة نواجهها يأتي الله بفرج قريب.
وسبب حديثي عن علاقتنا بالله هو الخوف الذي ينتاب بعض المخطئين بأن الله لن يغفر له زلاته، فأحببت أن أوضح للجميع أن الله هو اكتمال كمالات المحبة، وأن الله يحبنا رغم كل شيء، وأنه نفخ فينا من روحه وستظل آفاق هذه النفخة الروحية سارية في عروقنا وتبث في أعماقنا دائما الخير والحق والجمال، لنسير في حياتنا وعين الله ترعانا.
وفي النهاية، ما أجمل أن نحب الله ونجعل الشوق إليه يسري في أعماقنا، وتكون محبتنا له دائما في بالنا ونفر إليه بذنوبنا ومحبتنا، وندعوه في كل ظروفنا وأوقاتنا، ولا نيأس من فضله مهما دارت الدوائر بنا، كيف لا وهو خالقنا ورازقنا وحبيبنا الذي يمنّ بالخير دائما علينا، وكما قال صديقي (والموعد الله).
تجليات
عرفت الهوى مذ عرفت هواك وأغلقت قلبي عن من سواك، وبت أناديك يا من ترى خفايا القلوب ولسنا نراك.. أحبك حبين: حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاك (رابعة العدوية).