خالد بن عبدالرحمن الذييب
تعود الجذور التاريخية لمفهوم التخطيط بالسيناريو إلى حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الوقت، استعار مخططو المدن هذه الأداة لتحويل التخطيط الحضري إلى «مختبر للأفكار» يطرح دائماً السؤال الجوهري: «ماذا لو؟».
يعمل التخطيط بالسيناريو كـ«رادار» يستشرف القوى المحركة الخارجية التي لا نملك السيطرة عليها. وتتجلى أهميته في نماذج عالمية كسنغافورة، التي حولت فقر مواردها الطبيعية إلى قوة سيادية عبر وضع سيناريوهات متعددة، دفعتها للاستثمار في تقنيات التحلية وتدوير المياه قبل عقود من حاجتها الفعلية إليها، لتصبح اليوم رائدة عالمية في هذا المجال.
على النقيض، تظل تجربة ديترويت الأمريكية درساً قاسياً؛ فقد اعتمد صانعو القرار فيها لسنوات على تحليل واقع ثابت يرى في صناعة السيارات «نقطة قوة» أبدية، دون طرح سيناريوهات بديلة لما قد يحدث لو تراجعت هذه الصناعة أو تغيرت أنماط الطاقة العالمية. هذا الجمود الذهني أدى لانهيار ديموغرافي واقتصادي انتهى بإعلان إفلاس المدينة، ومن هذه الدروس تبرز أهمية الفكر الاستباقي بوضع السيناريوهات الممكنة على طاولة النقاش.
ومع ذلك، يتطلب التخطيط بالسيناريوهات دقة في الإدارة؛ فمن إيجابياته كسر الجمود الفكري وتقليل المخاطر المفاجئة عبر قرارات تظل مجدية في أغلب الاحتمالات. أما سلبياته فتكمن في حاجته لجهد تحليلي مضاعف، وتدفق مستمر للبيانات الضخمة، وكوادر تمتلك مهارات التحليل الاستراتيجي لا الهندسي فقط، وقد يؤدي أحياناً إلى «شلل القرار» إذا كثرت الاحتمالات دون معايير ترجيح واضحة.
ولتحويل هذا النهج إلى ممارسة مؤسسية، لا بد من تأسيس وحدات مستقلة لاستشراف المستقبل داخل الأجهزة المعنية، تعمل على رصد القوى المحركة دورياً، للانتقال إلى «المخطط الحي» الذي يُحدث دورياً بناءً على مسارات السيناريوهات بدلاً من المخطط الجامد. ولا يمكن إغفال أهمية المشاركة المجتمعية والقطاع الخاص في بناء هذه السيناريوهات؛ فهم الشركاء في صياغة المستقبل والأقدر على تحديد أولوياته لضمان تحويل المسارات النظرية إلى واقع مدني حيوي ومستدام.
أخيراً ...
إن التخطيط بالسيناريوهات ليس مجرد تمرين ذهني، بل هو الدرع الواقي للمدينة المعاصرة في عالم لم يعد يعترف بالاستقرار الدائم.
ما بعد أخيراً...
أفضل طريقة للتنبؤ بالمستقبل هي المشاركة في صنعه.