علي عبدالله الخليفة
تُعد جبال طويق من أشهر المعالم الجغرافية في نجد وواحدة من أبرز السلاسل الجبلية في السعودية وهي العمود الفقري لسلسلة جبال اليمامة التي يتوسطها. نستعرض في هذا المقال مكانة هذه الجبل من عدة جوانب تاريخية وجغرافية وجيولوجية وثقافية وأدبية. عرف تاريخيًا باسم «جبل العارض» أو «عارض اليمامة»، وظل هذا الاسم شائعًا حتى العصور الحديثة. ومنه اشتُق اسم «بلاد العارض»، التي تشمل الرياض ومحافظاتها المحيطة مثل: الدرعية وضرما والمزاحمية والعيينة والجبيلة وسدوس والحوطة والحريق وتمير والزلفي والغاط وغيرها مما تشرف عليه هذه السلسلة الجبلية، وتشكل جبال طويق حاجزًا طبيعيًا على شكل طوق ومن هنا جاءت التسمية، حيث يفصل بين إقليم ومحافظات سدير من الشرق ومحافظات الوشم من الغرب.
ويُعد جبل طويق أحد أبرز المعالم الطوبوغرافية التي يمكن رؤيتها من الفضاء الخارجي، وتنتشر حولها الأودية مثل وادي حنيفة والأوسط ونساح ووادي المشقر والكلبي وبعض الواحات والرياض الخضراء وهو قلب إقليم اليمامة التاريخي وإقليم نجد، واسم الجبل طويق تصغير لكلمة طوق وتصغير الأسماء لتجميلها عادة قديمة عند العرب. ويُعد جبل طويق من أقدم الآثار في نجد التي عرفتها شعوب الجزيرة العربية منذ زمنٍ طويل، فالحفريات الأثرية الجارية اليوم تحت إشراف هيئة التراث تغوص عميقًا حتى ما قبل التاريخ، لتكشف عن الكثير من التفاصيل المثيرة التي تتعلق بالهجرات الإنسانية القديمة، وتؤكد وجود قرى قديمة على امتداد جبال طويق.
أما جغرافيا فتمتد سلسلة جبال طويق المذهلة نحو 800 كم في وسط المملكة العربية السعودية، بشكلها الهلالي الشبيه بـ»الطوق» ويحدها جنوبا رمال الربع الخالي وشمالا نفود الثويرات وتشتهر بتضاريسها الصخرية الجيرية الحادة، ويُعد أحد أهم المواقع السياحية الطبيعية في منطقة الرياض، حيث يستقبل في قممه المشهورة وغيرها مئات الزوار من مختلف دول العالم في صورة تعكس الطبيعة الجغرافية المدهشة والجذابة لكل قاصديها من عشاق الطبيعة والرحلات وهواة رياضة المشي والهايك وتأمل النجوم وعشاق عزف العود والسامري.
- جيولوجيًا: تشكلت طبقات جبال طويق عبر ملايين السنين خلال العصر الجوراسي، حيث كانت مغطاة بمياه بحرية ضحلة ترسبت على أثرها الصخور الجيرية والشعاب المرجانية والأحافير والحيوانات البحرية المتحجرة، حيث كانت أرض المملكة تزهو بالأشجار الخضراء والأنهار والبحار، لكنها جفت ولم يبق سوى الآثار التي نراها اليوم على سفوح جبال طويق الشامخة.
أهم القمم في جبال طويق:
1- قمة حافة العالم طويق (نهاية العالم)
تتجلى عظمة الخالق هناك، حيث سمي قمة «حافة العالم» بهذا الاسم نسبةً للمشهد المذهل الذي يقدمه عندما تقف على الحافة (مطل حافة العالم) والذي يمثل نهاية امتداده فـترى المنحدرات الحادة التي تمتد على مسافات شاسعة مما يعطي الانطباع بأنك على حافة نهاية العالم ويقع في أحد جنباته دحل ابن رشيد المستكشف حديثا في سدوس منذ ما يقارب خمسين عامًا كإحدى عجائب هذا التكوين الصخري العظيم.
2- خشم الحصان (منطقة الجيوبارك)
أحد مواقع مسار الشمال السياحي المعلنة مؤخرا وقد تم تسجيل منطقة شمال الرياض ومن ضمنها قمة خشم الحصان في أبريل 2025 ضمن شبكة الجيوبارك العالمية التابعة لليونسكو وهذا يعكس أهميتها الجيولوجية ويعزز مكانتها في الجانب السياحي، حيث يحتوي ذلك الموقع على مسارات هايك وأودية ومغارات جميلة وسمي بذلك نظرا لتفرده وضخامة حجمه وارتفاعه عن سطح البحر بأكثر من ألف متر ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة ويقع في الطريق إلى محافظة رغبة الواقعة شمال غربي العاصمة الرياض، حيث تبني الطيور الجارحة أعشاشها فوقه في منظر بديع.
3- درب المنجور (العمارية)
ويقع هذا السفح العظيم غرب منطقة العمارية وعلى إطلالة مباشرة على منطقة القدية وضرما ودرب المنجور ويحتوي على مسارهايك ودورة مياه وطريق تاريخي قديم من الأسفل للأعلى.
4- قمة أبا القد في قصور آل مقبل
وتُعد أحد أهم القمم وتدخل حاليا ضمن حمى مشروع القدية وفيها الممر الوحيد لعبور القوافل والجنود منذ القدم للدخول إلى الرياض وتم تمهيده وترميمه في فترة حكم الملك عبدالعزيز ويمتد حوالي كيلو متر واحد في الطريق للقمة.
5- قمة فريدة الشَّظْية الواقعة شمال غرب مدينة الحَريِق جنوب منطقة الرياض، إذ يبلغ ارتفاعها نحو 1196 مترًا، حيث تُعد أعلى قمة في جبال طُويق وإحدى المحميات الطبيعة للحيوانات والطيور.
تاريخيًا: كانت مأوى للقبائل التي سكنت على مسايلة وأوديته منذ حقبة ما قبل التاريخ وجاء ذكره في قصائد الشعراء القدماء وكان ممرًا للطرق القديمة، مثل درب زبيدة الذي لم يمر عبره مباشرة ولكن بالمناطق المحيطة به وهذا ما شهدته جبال طويق من الناحية التاريخية.
ثقافيًا: رمز للثبات والشموخ في الأدب النجدي والشعر القديم، ويُستخدم مجازًا للدلالة على القوة والعراقة حتى أن عراب الرؤية الأمير محمد بن سلمان شبه المواطن السعودي بجبل طويق من حيث همته وشموخه. وأما في مجال الأدب فإن جبال طويق حاضرة في ذاكرة الشعراء وتغنى فيها العديد منهم عبر العصور ومنهم الشاعر راكان بن حثلين حيث يقول:
يا فاطري خـبـّي خرايـم طميه
لين اشمخرّت مثل (خشم الحصاني)
ويقول الشاعر عبدالله الدويش واصفا مدينته (الزلفي):
أظنّ ما يحتاج ناصف لك الدار
ماقف طويقٍ حي ذيك الديارا
شرقيّها ضلعٍ كما المزن ظهار
وغربيّها من نايفات الزبارا
دار سقاها من شخاتير الأمطار
سحبٍ تقافى كل تالي نهارا
ويقول الآخر..
هذي خشوم طويق يا جاهل طويق
هذي الخشوم اللي يذري ذراها
هذي الخشوم اللي تفرج عن الضيق
لا زادت هموم المعنى رقاها
ومن أجمل الأوصاف في الأدب العربي لهذا الجبل ما قاله الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم:
كأسياف بأيدي مصلتينا
فأعرضت اليمامة واشمخرت
ويقول الشيخ عبدالله بن خميس شاعر ومؤرخ اليمامة مخاطبا جبل طويق:
يا جاثمًا بالكبرياء تسربلا
هلاّ ابتغيت مدى الزمان تحوّلًا
شاب الغراب وأنت جلد يافعًا
ما ضعضعت منك الحوادث كاهلًا
وكان عمروا خالها إذا أعرضت
مثل السيوف المصلتات نواحلا
يا أيها العملاق زدنا خبرة
عمن أقاموا في ذراك معاقلا
واقصص علينا اليوم من أخبارهم
ما ثم من أحد يجيب السائلا
عن طسم حدثنا وعن جبروتها
لما استباحت من جديس عقائلا
وجديس إذ هبّت لتثأر منهم
تخفي لهم تحت الرغام مناصلا
واذكر عن الزرقاء ما فاهت به
عن نظرة تطوي الحزون مراحلا
واذكر حديثا عن مسهبا
واذكر ربيعة في حماك وائلا
وأقصص عن الأعشى وهوذة والألى
من بعدهم ملأوا الحياة فضائلا
حيث أنبرى وادي حنيفة صارخا
في أمه تدعو القبور وسائلا
ويقول الشاعر الآخر:
وأكاد من شغفي بما أنشدته
أطوي إليك تهامة والعارضا
كما يقول الآخر:
ولو أن قلب طويق باح بسره
لم يَعْدُ ما هو شَفَّ عنه مجلجلًا
ختاما لا نستغرب أعداد من يزوره من السياح أيضا من كل دول العالم وكيف تكون دهشتهم وانبهارهم وقد تغنى فيه شعراء العرب منذ آلاف السنين، لذا فهو اليوم وجهة سياحية من الطراز الأول وبحاجة لكافة الخدمات الخاصة بالمواقع السياحية العالمية المشابهة له بشكل يواكب أهميته ومكانته مما ينعكس على زيادة زواره وقاصديه من الداخل أو الخارج وفق رؤية 2030.