حمد عبد العزيز الكنتي
أكثر من عام ومترو الرياض تزدحم محطاته الفخمة وتمتلئ عرباته الفارهة بالناس من شتى دول العالم، والذين يتسابقون عبر خطوطه ومساراته النابضة بالحياة في كل يوم نحو أعمالهم في المنشآت العملاقة والصروح الضخمة، والأبراج الشاهقة، مواصلين بذلك المشاركة المثمرة في مسيرة التنمية في مملكتنا الغالية.
ولأن الانسان دائماً هو محور بناء الكيان؛ يتجلى التمازج الإنساني المحلي والعالمي في عاصمة رائدة يبحث فيها الجميع عن فرصهم الواعدة، والرابحة في كيانات متنوعة تخدم جميع القطاعات ينطلقوا فيها نحو تحقيق المعنى في قلب المبنى، ساعين خلف تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030 على أرض الواقع.
كل خطوة يخطوها بُناة السلام وصُناع المكان من كلا الجنسين في جنبات هذا المترو يكتب كل واحد منهم من خلالها قصته في منظومة التنمية السعودية، ويُكمل القطعة الناقصة في (لوحة البزل)، مؤكداً أنه لا غنى عنه في هذا المشهد الزاهي، والذي تبهر به الرياض العالم كل يوم.
وماذا عساي أن أقول والمنظر يتحدث عن نفسه بمحطات مترو كل واحدة منها تنافس الأخرى في جمال تصميمها، ودهشة بناءها التي تسمعها في أحاديث الناس حينما يقولون والدهشة تعلو محياهم: (من سنوات وهم يحفرون تحت الأرض وحنا ما ندري كيف الوضع حتى رأينا هذه التحف المعمارية التي تتجاوز سبعة طوابق الأرض، وتسمّحت بها دروبنا، وتسهّلت بها حياتنا).
وفي قلب العربة وبين واقف وجالس تقف الزحمة في ذروتها على أطراف أوقات الدوام الدراسي والمهني، ويتجلى فيها التعاطف الإنساني النبيل، فهذا يفسح لهذا مكانا، وهذا يتلطف مع ذاك، وما بينهما يتحدث الصمت الجميل في المترو، فقبل أن يتوجه الانسان الى دوامه يتجه الى نفسه وصراعاته العميقة، متأرجحاً بين منظومة يبحث فيها عن المعنى وسط هذا الضجيج الداخلي الذي يتجلى في قول الشاعر: (أصرخ بكل حسي وما سواي انتبه)!
وماذا عن ذلك الهارب بسماعته الصاخبة، ونظارته السوداء التي لبس من خلالها قبعة التخفي من هذه الجموع غير عابئاً بأحد، ناشداً الخلاص، ضارباً مع المحطة القادمة موعد الانعتاق من رهبة الحضور، موقفاً عداد علاقته عند صفره الأبدي!
وعكسه أولئك الذين يتلاقون برفق مع عموم المشهد، فهذا يخبرك انه جاء للتو من رحلة علاجية، وذاك يفاجئك أنه خرج الآن من غسيل الكلى، وموظف يشاركك قصص عمله الغريبة، ويخبرك بأنهم يبيعون ساعة بسبعة عشر مليونا!! وآخر يبهج الآخرين بحكايات ضاحكة، وغيرهم ينهمك في جواله ليشاركك مقاطع الانستغرام التي يشاهدها، في جو خالٍ من فضول (اللقافة)، لأننا جميعاً حينها في بوتقة أضحى فيها التقارب عادة، العلاقة فيه تنتهي تنتهي بنهاية الرحلة.
حقاً..لا أحد يريد من الآخر شيئا وحتى لو باح له بأسراره، وشاركه ضعفه وكواليس حياته، فهو لا يعدو عن كونه بوحا حان وقته، ولم تعد الاجساد قادرة على تحمله، فسقط عمداً لغريب في محطات المترو بين خطوطها على الجسور وفي الأنفاق، في شعور يعبر عن حاجة الانسان للمشاركة خصوصاً حينما يفقد صوته في حشرجات الحياة!
ومن تحت هذه الأرض المثمرة، ومن داخل مترو سبق عصره، ومن محطات متناغمة مع الحياة ومتماهية مع التحول الرقمي يخرج الناس فُرادى ومجموعات، وأفراد وعائلات من عربات اختصرت عليهم مسافة السكة نحو مقاصدهم، ليبثّوا من طاقاتهم الوثاّبة ترياق الحياة في شرايين الرياض، ماضين نحو الأمل الذي لا ينتهي، محققين الإنجازات المتوالية في بناء الوطن.