زياد الجارد
تُعد مؤشرات الأداء أداة أساسية في قراءة التحولات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في قدرتها على عكس الواقع كما هو. وفي ملفات مهمة مثل سوق العمل، يصبح الفرق بين تحسن المؤشر وتحسن الواقع فرقًا جوهريًا، يستدعي قراءة النتائج بشكل أوسع.
في تصور افتراضي، قد تنجح مدينة ما في خفض معدل البطالة خلال مدة زمنية جيدة، رقم إيجابي بلا شك، ولكن السؤال الأهم ليس كم انخفض الرقم؟ بل: كيف انخفض؟
وهل جاء هذا الانخفاض نتيجة خلق وظائف منتجة تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد، أم نتيجة توسع عددي لا يواكبه نمو فعلي في النشاط الاقتصادي؟
فالتوسع في التوظيف، رغم أهميته، لا يمكن النظر إليه دائمًا كحل مستقل بذاته، وفي بعض الحالات قد يتحول هذا التوسع إذا لم يكن مبنيًا على حاجة تشغيلية حقيقية ونمو متزامن إلى عبء يحد من قدرة المنشآت على الاستمرار، خصوصًا المنشآت المتوسطة والصغيرة ذات الهوامش المحدودة والمنافسة الشديدة، والتي تعتمد استدامتها على توازن دقيق بين الإيرادات والتكاليف، ما يجعل أي التزام إضافي غير مدروس عامل ضغط على قدرتها على البقاء.
كما أن قراءة هذه الأرقام دون النظر إلى طبيعة الوظائف وتوزيعها القطاعي قد تعطي صورة غير مكتملة، لا سيما حين يكون النمو الوظيفي معتمدًا بدرجة كبيرة على أنشطة خدمية كثيفة العمالة، تعتمد في استدامتها على حجم المبيعات اليومية ومستوى ربحيتها، حيث قد يؤدي التوسع في التوظيف غير المرتبط بزيادة الطلب أو الإنتاجية إلى مضاعفة الضغوط على المنشآت بدلاً من تعزيز قدرتها على الاستمرار.
فهل يمكننا تطوير مؤشرات سوق العمل لتشمل، جودة الوظائف، ومستوى الإنتاجية، وقدرة هذه الوظائف على الاستمرار والنمو؟
وتبقى الجهود المبذولة في تطوير سوق العمل محل تقدير، وتعكس اهتمامًا حقيقيًا بهذا الملف، فخفض البطالة كمؤشر يُعد إنجازًا مهمًا، والعمل على تطوير أدوات القياس وربطها بجودة التوظيف والإنتاجية يسهم في أن يكون هذا الانخفاض انعكاسًا فعليًا ومستدامًا لتحسّن بنية الاقتصاد، لا مجرد تحسّن في الأرقام.