إبراهيم بن يوسف المالك
في كل بداية عام، تتجدد الطقوس ذاتها: وعود شخصية، قرارات مصيرية، وخطط تبدو في ظاهرها جادة، لكنها في عمقها هشة. ليس لأن أصحابها لا يريدون التغيير، بل لأنهم يسيئون فهمه. يُعامل التغيير كقائمة مهام، لا كتحول في الاتجاه، وكأن المشكلة تكمن في نقص الجهد، لا في غياب الحسم. هذه المفارقة هي جوهر الإخفاق المتكرر، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، حيث نبالغ في إضافة الجديد بينما نتردد في إغلاق القديم.
الفكرة الشائعة أن التغيير يحتاج وقتًا طويلًا كي يبدأ، بينما الواقع أن البداية الحقيقية قد تُحسم في يوم واحد، لا بوصفه يوم إنجاز، بل يوم قرار. ليس اليوم الذي تُبنى فيه العادات، بل اليوم الذي يُتخذ فيه الحكم الداخلي: من أكون، وما الذي لن أعود إليه. الفرق بين الحماسة العابرة والتحول المستدام لا يكمن في قوة الإرادة، بل في وضوح الاتجاه. كثيرون يعملون بجد، لكنهم يعملون في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، فيستنزفون طاقتهم دون أثر حقيقي.
المشكلة ليست في غياب الطموح، بل في ازدحامه. عندما يريد الإنسان أن يكون كل شيء في آن واحد، ينتهي به الأمر بلا هوية واضحة. التغيير لا يبدأ بإضافة عادة جديدة إلى يوم مزدحم أصلًا، بل بإزالة ما لم يعد يخدم المسار. الإضافة سهلة لأنها تمنح شعورًا زائفًا بالتقدم، أما الحذف فيتطلب شجاعة لأنه يفرض خسارة واعية. ومع ذلك، لا يمكن لأي تحول جاد أن يحدث دون هذا النوع من الخسارة.
في القيادة، كما في الحياة، لا تبدأ التحولات الكبرى بخطط تنفيذية، بل بتحديد ما لن يتم فعله بعد الآن.
الاستراتيجية في جوهرها ليست وثيقة مليئة بالمبادرات، بل سلسلة من القرارات الصعبة التي تُغلق أبوابًا بقدر ما تفتح أخرى. والمؤسسات التي تفشل في التحول غالبًا لا تعاني من نقص في الأفكار، بل من فائض في التردد. تحاول إرضاء جميع الأطراف، فتفقد اتجاهها، ثم تتساءل لاحقًا لماذا لم تُثمر كل تلك الجهود.
القرارات السطحية تُشبه قرارات رأس السنة: جميلة في لغتها، ضعيفة في أثرها. أما القرار العميق فهو الذي يُعيد تعريف الهوية. أن تقول: هذا المسار لم يعد يعبر عني، أو هذه الطريقة لم تعد تناسب المرحلة، أو هذا الدور لم يعد يستحق الدفاع عنه. هذه القرارات لا تُقاس بعدد الساعات التي استغرقتها، بل بمدى الوضوح الذي خلّفته. وعندما يتضح الاتجاه، يصبح الالتزام أسهل مما نتصور، لأن الطاقة لم تعد موزعة على احتمالات متعارضة.
نميل أحيانًا إلى تمجيد الانضباط وكأنه الحل السحري لكل إخفاق، بينما الحقيقة أن الانضباط بلا اتجاه واضح يتحول إلى استنزاف منظم. ليس كل من ينهض باكرًا يتقدم، وليس كل من يكدح يقترب من هدفه. التقدم الحقيقي يفترض أولًا إجابة صادقة عن سؤال الاتجاه، ثم يأتي الانضباط كأداة، لا كغاية. ومن دون هذه الإجابة، تتحول أفضل العادات إلى مجرد حركة في المكان.
التغيير الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن يصبح نسخة مثالية بين ليلة وضحاها، بل أن يتوقف عن التفاوض مع نسخ قديمة من نفسه. أن يحسم أي الأصوات الداخلية لم يعد لها حق التصويت. هذا الحسم لا يحتاج جمهورًا ولا إعلانًا، بل يحتاج شجاعة داخلية وصدقًا مع الذات، وربما لهذا السبب يكون اليوم الذي يُغيّر الاتجاه يومًا هادئًا، بلا ضجيج، وبلا احتفال. يومًا عاديًا في ظاهره، لكنه حاسم في أثره.
في زمن تُكافأ فيه السرعة ويُحتفى فيه بالنتائج الفورية، يصبح التباطؤ الواعي فعل مقاومة. أن تتوقف لتُعيد تعريف ما تسعى إليه، لا ما تستطيع فعله فقط. أن تختار القليل الواضح بدل الكثير المشتت. هذا النوع من الاختيار لا يُغري منصات التحفيز، لكنه وحده القادر على بناء مسار طويل يمكن الدفاع عنه والاستمرار فيه.
لعل أهم ما ينبغي إدراكه أن التغيير ليس حدثًا، بل نتيجة. نتيجة قرار سابق، وحكم داخلي، واتجاه محسوم. وما لم يحدث هذا الحسم، ستبقى كل المحاولات مجرد بدايات مؤجلة. قد تتغير التفاصيل، لكن المسار يبقى كما هو. أما حين يُحسم الاتجاه، فإن الوقت، لا الحماسة، يتكفل بالباقي.