عبدالله صالح المحمود
لم يعد الاقتصاد الدولي اليوم ساحة مستقلة تحكمها مؤشرات النمو والتجارة وسلاسل الإمداد فحسب، بل أصبح امتدادًا مباشرًا للصراع السياسي العالمي. فكل قرار اقتصادي كبير بات يحمل في طياته موقفًا سياديًا، وكل تحرك سياسي مؤثِّر يخلِّف آثارًا اقتصادية عابرة للحدود. نحن أمام مرحلة تاريخية تتقدَّم فيها السياسة على الاقتصاد، وتُعاد فيها صياغة قواعد اللعبة الدولية.
خلال العقد الأخير، انتقلت الدول الكبرى من منطق «الترابط الاقتصادي» إلى منطق «التحصُّن الإستراتيجي». العقوبات، القيود التجارية، التحكم في الطاقة، وحتى التكنولوجيا والبيانات، تحولت إلى أدوات ضغط سياسي لا تقل فاعلية عن القوة العسكرية. هذا التحول أعاد تعريف مفهوم العولمة، من فضاء مفتوح إلى شبكة انتقائية تُدار وفق المصالح والتحالفات.
هذا التداخل الحاد بين السياسة والاقتصاد لم يأتِ دون ثمن. فقد ارتفعت معدلات التضخم عالميًا، وتذبذبت أسواق الطاقة والغذاء، وتعرضت سلاسل الإمداد لاختناقات متكررة. الدول النامية كانت الأكثر تأثرًا، إذ وجدت نفسها تدفع كلفة صراعات لم تكن طرفًا فيها، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو تقلُّص فرص التمويل والاستثمار.
التحولات الجيوسياسية الحالية تعيد توزيع الثقل الاقتصادي عالميًا. لم تعد الهيمنة الاقتصادية حكرًا على قوى تقليدية، بل برزت قوى صاعدة تسعى لبناء نماذج تنموية أكثر استقلالية، وتوسيع شراكاتها بعيدًا عن الاستقطاب الحاد. هذا الواقع يفتح المجال أمام نظام اقتصادي متعدد الأقطاب، أقل استقرارًا، لكنه أكثر تنوعًا في مراكز القرار.
الآثار لا تقتصر على الأرقام والمؤشرات، بل تمتد إلى الوعي العالمي. فقد أصبح المواطن في أي دولة يشعر بتداعيات القرارات السياسية الدولية على معيشته اليومية: من سعر الوقود والغذاء، إلى فرص العمل والاستثمار. هذا الارتباط المباشر عزَّز من حساسية الشعوب تجاه السياسات الدولية، ورفع منسوب الشك تجاه الخطاب الاقتصادي التقليدي الذي يفترض حياد الأسواق واستقلالها عن القرار السياسي.
العالم يقف اليوم عند مفترق طرق. إما استمرار تصاعد التسييس الاقتصادي بما يحمله من مخاطر الانقسام وعدم اليقين، أو بناء نموذج جديد يوازن بين السيادة السياسية والاستقرار الاقتصادي العالمي. النجاح في ذلك يتطلب قيادات قادرة على قراءة الترابط العميق بين السياسة والاقتصاد، والتعامل معه بوصفه واقعًا إستراتيجيًا لا ظرفًا عابرًا.
لم يعد فصل السياسة عن الاقتصاد ترفًا فكريًا، بل أصبح خطأً إستراتيجيًا مكلفًا. العالم يدخل مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على إدارة التشابك بين القرار السياسي والأثر الاقتصادي، لا بقدرة أحدهما على العمل بمعزل عن الآخر. ومن يصرّ على قراءة الاقتصاد بلغة الأرقام فقط، سيفاجأ بأن السياسة تكتب النتائج قبل أن تُعلنها الأسواق. المرحلة المقبلة لن تُحسم بحجم الموارد وحدها، بل بحكمة القرار، ومرونة التحالفات، والقدرة على تحويل الاضطراب العالمي من مصدر تهديد إلى فرصة لإعادة التموضع وبناء النفوذ.