لم تعد دولة الإمارات تكتفي بدور اقتصادي مزدهر، بل اندفعت خلال السنوات الأخيرة إلى لعب دور جيوسياسي يتجاوز حجمها الطبيعي، في محاولة لفرض نفسها كـ»دولة محورية» في الإقليم. غير أن هذا الطموح لم يُترجم إلى استقرار، بل إلى مزيد من التفكيك والاضطراب.
فقد جرى توظيف الفائض المالي في التدخل المباشر وغير المباشر في شؤون دول عربية، عبر دعم قوى محلية مسلحة ومشاريع انفصالية، تحت شعارات مستهلكة مثل «مكافحة الإرهاب» و»حماية الأمن». والنتيجة لم تكن إلا إضعاف الدولة الوطنية، وتقويض مؤسساتها، وفتح المجال أمام صراعات طويلة الأمد.
الأخطر أن سياسة أبوظبي لم تعد تخفي نزعتها للهيمنة على الممرات المائية والموانئ الإستراتيجية، من باب المندب إلى القرن الإفريقي، في محاكاة فجَّة لنماذج استعمارية بائدة. استثمارات تُقدَّم كتنمية، لكنها تُدار كأدوات نفوذ قسري، تُنتزع بها السيادة ويُعاد رسم الجغرافيا السياسية بالقوة الناعمة والخشنة معًا.
إن الخلط بين النجاح الاقتصادي والشرعية السياسية خطأ إستراتيجي فادح. فالثروة لا تصنع قيادة، والمال لا يمنح حق الوصاية على الدول، ولا يحوِّل التدخل في شؤون الآخرين إلى «حنكة سياسية».
لقد وضعت أبوظبي نفسها، بإرادتها، في موقع الطرف المثير للانقسام لا صانع الاستقرار، وفي خانة من يراكم الخصومات بدل التحالفات. والتاريخ واضح في هذا الشأن: النفوذ القائم على تفكيك الأوطان وزعزعة الجيران نفوذ هشّ، قصير العمر، مهما بدا صلبًا في لحظته.
أما الريادة الحقيقية، فلا تُبنى على أوهام الإمبراطورية، بل على احترام السيادة، وعدم العبث بجغرافيا الآخرين، والكفّ عن تحويل المال إلى أداة هيمنة.
** **
- شرف جبر العلياني