د. محمد بن إبراهيم الملحم
في مقالتي السابقة تحدثت عن التحول الذي حدث (عالمياً) من التفتيش إلى الإشراف وشعاره العملي (من التفتيش إلى التمكين) حيث قادت هذا التحول فلسفة الإدارة بالمنحى الإنساني القائم على العلاقة الأفقية التعاونية لا الرأسية الترؤسية، ولكن قلت: إن التحدي الأكبر ليس في تغيير المسميات بل في تغيير العقليات، فبعض المؤسسات التعليمية (وأحياناً أفراد فقط) التي تبنّت تسمية الإشراف الحديث ما زالت تمارس عملها بروح التفتيش القديمة فقد يُسمّى الشخص «مشرفًا تربويًا» لكنه يدخل المدرسة بعقلية الرقيب، ويغادرها وقد زرع الخوف بدل الثقة، وحتى لا يكون التحول هو في المسميات فإنه يجب أن يكون في الإنسان نفسه وقناعته وتصوراته على طبيعة العلاقة الإنسانية التي يجب أن تكون بينه والآخرين، ومن هذا المنطلق فإن مهمة تأكيد هذا المعنى كانت هي الهم الأكبر في مرحلة التحول، وكان التدريب على رأس العمل هو أبرز وسيلة لذلك، ولم يكن لتعليم مهارات بقدر ما هو لبث رسائل وتأسيس عقيدة جديدة نحو هذه العلاقة التي طالما كرس الزمن طبيعتها الرأسية، وليأتي الوقت الذي يجب فيه أن تتحول إلى أفقية تماماً، ولا شك أنها مهمة عسيرة جداً، ولا أدل على صعوبتها بل إغراقها في الصعوبة من كون آثار العقيدة السابقة (الروح التفتيشية) لا تزال تطل برأسها من وقت لآخر في بعض الأفراد سواء ورثوا فكرتها من الوجود التاريخي أو أصابتهم عدواها من الكيانات التي لم تتعاف بعد منها بالكامل.
اللافت للانتباه أننا عندما ننظر للخلف ونقلب بعض صفحات الماضي سنجد أنه في ذلك الوقت الذي سادت فيه فلسفة التفتيش وممارساته، وكانت لها الريادة والقيمة فقد وجد أفراد لم تتلبسهم روحها الرقابية الخشنة بالكامل بل تداخلت معها نظرتهم الإنسانية التي صنعتها القيم التربوية التي تشكلت أثناء عملهم في التدريس، ومن أفضل من المعلم تتشكل لديه هذه القيم؟ فهو من يرأف بطلابه ويصبر على تعليمهم فيكرر لهم وينوع الشرح ويعطي الفرصة تلو الفرصة للإجابة ولتحسين المستوى وينظر في أحوالهم النفسية فيراعي كل بحسب ظروفه ومعطياته، وهو من يحل مشكلاتهم الطارئة فيما بينهم في غرفة الصف وهو من يبذل لهم ما ينفعهم من النصح والتوجيه العام والخاص، وهو من يتواصل مع والديهم ليبلغهم بأحوال أبنائهم وما يصلح لهم وما لا يصلح، ولذلك انسحبت هذه النفسية التربوية للمعلم على دوره اللاحق بعد أن ترقى ليصبح «مفتشاً» (في ذلك الحين) فيقوم بممارسة دوره التفتيشي بصورة هي أقرب لما جاء به الإشراف التربوي لاحقاً منها إلى التفتيش الصارم المعاصر آنذاك. وأمامي عينة من صفحات هذا الماضي تمثلت في كتاب بعنوان «مذكرات مفتش إداري» سطرتها أنامل التربوي الفاضل الأستاذ عبداللطيف بن سعد العقيل- رحمه الله- والذي عمل بين الأحساء والدمام معلماً ثم مدير مدرسة ثم مفتشاً تربوياً ثم مفتشاً إدارياً، والمفتش الإداري هو في رتبة خشونة أعلى من المفتش التربوي الذي يزور المعلم أو مدير المدرسة فهو من يقوم بالتحقيق مع المخالفين والمقصرين ويصدر لهم خطابات لفت النظر وربما العقوبات الإدارية من حسم راتب وما إليه، ومع كل هذا فقد جاءت توصيفات هذا التربوي الفاضل لدور المفتش مؤكدة لما قدمت له قبل قليل، لتظهر لنا مثالاً على أن الحس التربوي هو ما يغلب على سلوك الفرد وليس مسمى الوظيفة نفسه أو أدوارها الخشنة بطبيعتها وسوف أقتبس لكم شيئاً من نصوص هذا الكتاب التي تكشف عن هذا الجانب الإنساني الجميل، فها هو يقول:
«وبما أن مفتش وحدة المتابعة في المدارس يحتل ركنًا أساسيًا من الأركان التي يعتمد عليها في نجاح السياسة الإدارية والتربوية والتعليمية عليه أن يتخذ المنهج السليم والأسلوب الأرقى في التعامل والإقناع، مبتعدًا عن أسلوب التعالي والهيمنة التي قد توسع الاختلاف... ولاسيما وأن حسن العلاقة في التعامل أمر يصعب على الإنسان نسيانه حيث إن بعض الناس يتذكرون دائمًا كلمة طيبة، أو ثناء حسنا، أو أي تشجيع لعمل ما، فإنه في مثل هذه المعاملة ما يجذب الفرد للفرد، بالرغم من أن إدارة الفرد أصعب من إدارة الآلة التي يديرها الفرد في المصنع، ولكنه عن طريق العلاقات الإنسانية يستطيع الفرد كسب الفرد، وإقناعه لتحقيق ما يريد منه تنفيذه... أما أسلوب الهيمنة والسيطرة والغطرسة فإنه لا يفلح وإن أعطى بعض النتائج فقد يكون عمرها قصيرًا لايصل إلى مرحلة الاستمرارية... والعلاقة الإنسانية في حد ذاتها لم تكن عائقًا في سير العمل أو تعطيلًا لبعض نظمه بل إنها ضرورة ملحة لإشباع الناحية النفسية بالطمأنينة والرضا بين المتعاملين، ولا سيما وأن هذا الأسلوب الإنساني في التعامل يوحي إلى شيء من الديمقراطية التي هي أجدى وأنفع من أسلوب الدكتاتورية». وللحديث بقية..
** **
- مدير عام تعليم سابقاً