«الجزيرة» - الرياض:
شكّلت قوافل الإبل منذ فجر التاريخ شريان الحياة التجارية والثقافية لمحافظة العُلا، إذ مثّلت وسيلة النقل الأولى التي أسهمت في تشكّل طرق التجارة القديمة، وفي مقدّمتها طريق البخور الممتد من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها، وصولًا إلى بلاد الشام ومصر، ما جعل العُلا محطةً رئيسة ومركزًا محوريًا على أحد أهم المسارات التجارية في العالم القديم.
وأدت الإبل دورًا أساسيًا في عبور القوافل المحمّلة بالبخور واللبان والتوابل والأحجار الكريمة، الأمر الذي أسهم في ازدهار النشاط التجاري، وجعل العُلا ملتقىً للحضارات وممرًا للتجار والحجاج والرحّالة، وعزّز مكانتها واحةً نابضة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية عبر آلاف السنين.
شهدت جبال وصخور العُلا العديد من النقوش الصخرية التي وثّقت الوسائل التي استُخدمت قديمًا في التجارة ونقل البضائع، ومن أبرزها نقوش الإبل التي شكّلت العمود الفقري للقوافل التجارية، إضافةً إلى رصد نقشٍ أثري لعربةٍ تجرّها الخيول في محمية شرعان، يُعدّ من الشواهد النادرة في فنون النقش الصخري، ويعكس مرحلة انتقالية متقدمة في تطوّر وسائل النقل المرتبطة بالحركة التجارية والتبادل الثقافي عبر طرق التجارة البرية.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن هذه النقوش، المكتوبة بأحد الخطوط العربية الشمالية القديمة، تعود إلى فترة زمنية تمتد من القرن السادس قبل الميلاد حتى القرن الرابع الميلادي، فيما توحي تقنيات النقش وطبقات التلميع الظاهرة على الصخور بأن رسم العربة والنقوش المصاحبة لها نُفذت في الحقبة الزمنية ذاتها، بما يعكس تزامن تطوّر وسائل النقل مع ازدهار النشاط التجاري في المنطقة.
وتكشف هذه الشواهد الأثرية، إلى جانب الرسوم الصخرية والمواقع التاريخية المنتشرة في أرجاء العُلا، عن الدور المحوري الذي أدّاه طريق البخور في ازدهار حضارات المنطقة، حيث مثّلت العُلا نقطة التقاء للحضارات اللحيانية والنبطية وغيرها من الحضارات التي تركت بصماتها الخالدة، وأسهمت في تشكيل هوية المكان التاريخية والثقافية.
ومع مرور الزمن، تطوّرت أدوات ووسائل النقل من الإبل والعربات البسيطة إلى الطرق المعبّدة ووسائل النقل الحديثة، التي أسهمت في تسهيل حركة التجارة والرحلات، غير أن حضور الإبل ظلّ راسخًا في ذاكرة المكان بوصفها رمزًا للصبر والقدرة على التحمّل، وعنصرًا أصيلًا في تراث العُلا الذي يجسّد علاقة الإنسان بالصحراء والطبيعة.