جانبي فروقة
في عالم الأعمال التقليدية هناك قاعدة ذهبية وهي «إذا صنعت منتجاً جيداً فتمسك به واستثمر نجاحه حتى الرمق الأخير» ولكن في عالم الذكاء الاصطناعي وأورقة شركة نفيدنا (NVIDIA) تم كسر هذه القاعدة حيث شهدنا مؤخراً في معرض CES (وهو مؤتمر ومعرض سنوي يُقام في مدينة لاس فيغاس Las Vegas، وتنظمه جمعية تكنولوجيا المستهلك Consumer Technology Association ويُعتبر المنصة العالمية التي تعلن فيها كبرى الشركات عن تقنيات الغد قبل وصولها للأسواق) انتحاراً تكتيكياً لمنتجات ناجحة من أجل فرض هيمنة استراتيجية مطلقة فقد تحولت نفيديا من شركة لبطاقات الرسوميات إلى مهندس شامل لمنظومات الذكاء الاصطناعي وباتت اليوم لا تنافس على لقب «أفضل شريحة» بل تنافس على من يملك العقل والجسد والمستقبل في آن واحد» ولفهم أفضل لسر قوة إمبراطورية نفيديا التي تقترب قيمتها السوقية من 5 تريليونات دولار يجب أن ننظر إليها كمنظومة متكاملة لا كمنتج واحد حيث تتركز هذه القوة في الثالوث المتكامل للشركة وهي: CUDA كودا، Blackwell بلاك ويل، ووRubin روبن. فأما كودا CUDA فهي تمثل العقل واللغة اللذين يجعلان شرائح انفيديا تفهم ما نطلبه منها، تخيل أنك تملك سيارة خارقة بمحرك مذهل وسرعة هائلة والمحرك هو شريحة نفيديا لكنك لا تستطيع قيادة السيارة بدون عجلة قيادة ودواسة وناقل حركة ولوحة تحكم تفهم أوامرك وهنا يأتي دور كودا CUDA فهي لغة التواصل بينك وبين المحرك والنظام الذي يقول للمحرك متى يسرع ويفرمل، وكيف يعمل بأقصى كفاءة، نفيديا، تبيع سيارة كاملة جاهزة للقيادة والمنافسين لها لديهم فقط محركات وببساطة كودا هي التي تشرح للشريحة كيف تفكر وكيف تعالج البيانات وكيف تتعلم وتنفذ مهام الذكاء الاصطناعي فهي منظومة متكاملة يعمل عليها ملايين المطورين ويصعب على المنافسين تقليدها.
وبالنسبة لبلاك ويل Blackwell وهي (GPU Architecture) (هندسة وحدات معالجة الرسوميات تضم 208 مليار ترانزستور مصمم لربط عشرات الشرائح لتعمل ككتلة واحدة ضخمة) فهي تمثل العضلات الحالية لشركة نفيديا وذروة ما توصلت إليه التكنولوجيا حاليا لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وهي مخصصة لتدريب وتشغيل نماذج ضخمة مثل تشات جي بي تي ChatGPT وتركز على الأداء وكفاءة الطاقة وتستخدم اليوم فعليا في أكبر مراكز البيانات، وبينما العالم يحاول استيعاب قوة بلاك ويل أعلنت نفيديا عن جيل روبن Rubin (وهي العضلات القادمة في المستقبل قبل أوانها) وهذا الإعلان المبكر يهدف لإرباك المنافسين وجعلهم متأخرين بجيل كامل حيث إن روبين ليست مجرد تحسين بل قفزة تصميمية تركز على معالجة توفر وتؤمن كفاءة الطاقة والتبريد والمساحة في مراكز البيانات العملاقة.
إن نفيديا غيرت تعريف التحدي للذكاء الاصطناعي من قوة الحوسبة إلى كفاءة التكلفة والكهرباء وسعة التخزين. كما أطلقت نفيديا نموذج القيادة الذاتية القائم على الاستدلال ألبامايو» (Alpamayo) وجعلته مفتوح المصدر وهي تقول لشركات السيارات :لا تضيعوا وقتكم ومواردكم في بناء العقل بل خذوه مجانا ولكن اشترو له الجسد مني» وبهذه الخطوة ضربت الميزة البرمجية لشركة تسلا في مقتل وحولت سوق السيارات الكبير إلى امتداد لسوق شرائحها وغيرت مفهوم المنافسة إلى أن المتفوق اليوم ليس من يملك الذكاء بل هو من يملك العتاد الأفضل لتشغليه.
وسعت نفيديا المسافة بينها وبين المنافسين فنقلت الذكاء الاصطناعي من الشاشات إلى الواقع عبر منصة Jetson وهو منصة الذكاء الفيزيائي (Physical AI) وهي اللحظة التي يخرج فيها الذكاء الاصطناعي من الشاشات إلى العالم الحقيقي، ببساطة بعد أن كان الذكاء الاصطناعي يرد على الأسئلة ويحلل الصور ويكتب النصوص بات مع الذكاء الفيزيائي وبفضل نفيديا يتحرك ويلمس ويتوازن ويخطئ ويتعلم ولم تعد نفيديا NVIDIA تبيع برمجيات أو شرائح فقط بل صارت تقدم ما يشبه الجهاز العصبي لكل روبوت قادم والأذكى من ذلك أنها وفّرت بيئات محاكاة يتعلّم فيها الروبوت الفشل والنجاح افتراضيًا آلاف المرات قبل أن يخطو خطوة واحدة في الواقع لتتحول عملية التعلم من مخاطرة مكلفة إلى تجربة آمنة ومُحكَمة وبهذا لم تعد نفيديا جزءًا من عالم الروبوتات بل أصبحت الأساس الذي تُبنى عليه حركته ووعيه وبعبارة أخرى مع الذكاء الفيزيائي لم تعد نفيديا تصنع عقولًا تفكّر فقط بل أعصابًا تجعل الآلات تعيش العالم قبل أن تلمسه.
عند النظر اليوم إلى ساحة المنافسة مع نفيديا نجد أن المنافسين محاصرون بنماذج عمل أضيق مثل شركتي AMD (Advanced Micro) وانتل Intel وفي الصين نجد شركة هواوي تمتلك سوقا ضخما ودعما حكوميا لكن العقوبات تحرمها من أحدث التقنيات وسلاسل التوريد الحرة وشركة نفيديا لم تعد مجرد شركة تكنولوجيا بل باتت تتحول لنظام تشغيل غير معلن للعالمين الرقمي والفيزيائي معا فمن يسيطر على عقول السيارات وتدريب الروبوتات ومراكز البيانات هو لا ينافس في السوق بل يعيد تعريفه وباختصار فإن نفيديا تقدمت إستراتيجا لأنها لا تبيع شريحة بل لغة الذكاء الاصطناعي (CUDA) ولا تبيع جهازا بل بيئة تدريب وتشغيل ولا تهيمن على سوق بل على المسار والحلقة الدائرية للابتكار. والواضح أن نفيديا تتبنى إستراتيجية السيطرة على طبقات القيمة (Value-Stack Control Strategy) وهي استراتيجية تهدف للسيطرة على طبقات القيمة حيث تنتقل الشركة فيها من المنافسة داخل طبقة واحدة من السوق (منتج أو خدمة) إلى التحكم المتكامل بجميع الطبقات التي تُنتَج فيها القيمة: اللغة، المنصة، العتاد، وسيناريوهات الاستخدام، بحيث يصبح السوق نفسه تابعًا لها وهو ليس احتكارا لمنتج أو تفوقا تقنيا مؤقتا بل السيطرة الكاملة للقيمة حيث إن كودا CUDA تسيطر على طبقة اللغة والعقل وبلاك ويل وروبن Blackwell / Rubbin تسيطر على طبقة العتاد والقدرة وجتسن وألبامايو Alpamayo / Jetson تسيطر على طبقة التطبيق والواقع، وبذلك من يدخل عالم الذكاء الاصطناعي يدخل ضمن طبقات نفيديا سواء أراد أم لم يرد.
** **
- كاتب أمريكي