د.شريف بن محمد الأتربي
يطل علينا الغرب بين الفينة والفينة بنظريات وأسس وإستراتيجيات لإدارة المشاريع؛ بل وإدارة حياتنا الاجتماعية بشكل عام، والمؤسف أن أغلب هذه النظريات الصحيحة موجودة منذ الخليقة، وتأكدت، وجُربت من خلال الأنبياء والرسل الذين حملوا لواء الدعوة إلى الله الواحد الأحد؛ ولكننا وللأسف ما زلنا نهيم حباً وعشقاً وتيهاً بكل ما هو غربي، ونقصر في البحث عن أصله الإسلامي.
أعمل في مجال إدارة المشاريع الوطنية الكبرى لما يقارب 10 سنوات وخلال هذه الفترة سمعت وقرأت وحضرت العديد من ورش العمل والمؤتمرات التي تتناول إدارة المشاريع، من بينها تتضمن الشلال (Waterfall) المنهج الخطي، والرشيق (Agile) للتكيف، وسكروم (Scrum) وكانبان (Kanban) ضمن الرشيق، ونهج المسار الحرج (CPM) لتحديد المهام، ونهج Lean لتقليل الهدر، وPRINCE2 للمشاريع المنظمة، وكل منها يركز على جوانب مختلفة مثل التسلسل، المرونة، الكفاءة، أو التحكم في المخاطر، حسب أهداف المشروع ومتطلباته.
كل هذه الأنماط وما تحتويه من مراحل وخطوات وأنواع مختلفة من المخرجات؛ تتفق جميعها في أن جودتها مقترنة بمدى رضا العميل النهائي أو ما يطلق عليه End user. هذا العميل يمكن أن يكون محدداً بمكان أو زمان أو موضوع معين، وممكن أن يتجاوز ذلك، فما بالك أن يكون العمل النهائي هم كافة الخلق منذ بدء الخليقة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
توجد العديد من الدروس والعبر المتعلقة بإدارة المشاريع في قصص الأنبياء، حيث تعتبر إدارة المشاريع من العناصر الأساسية في تحقيق الأهداف الطموحة، سواء كانت فردية أو جماعية. وفي إطار الدين الإسلامي، فمن خلال القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة يمكن رصد جوانب متعددة لنماذج ومراحل إدارة المشاريع.
تأتي قصة سيدنا نوح عليه السلام، كمثال قوي على تحديد الهدف، فبعد أن تيقن أنه لا فائدة من قومه، وأنه وصل معهم إلى مرحلة النهاية؛ قرر التصعيد إلى صاحب الصلاحية (الله تعالى) قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)}، وهنا تأتي مرحلة التوصيات من مدير المشروع (نوح عليه السلام): {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10)}. وبدأ نوح في تنفيذ مخطط النجاة (هدف المشروع) فقد تم تكليفه ببناء السفينة لإنقاذ المؤمنين من الطوفان. كان لديه رؤية واضحة تتعلق بإنقاذ الأمة من العذاب، مما يبرز أهمية وجود هدف واضح قبل البدء في أي مشروع.
يعتبر التخطيط والتنظيم من أهم مراحل المشروع ونقاطه الأساسية، ومن أهم النماذج الدالة عليهما ما جاء في قصة سيدنا موسى عليه السلام، حيث يعتبر نموذجًا بارزًا في ذلك، فقد خطط للخروج ببني إسرائيل من أرض مصر التي كانت تحت قيادة فرعون الذي رفض اتباع دين موسى، بل بغى عليه ومن معه من المؤمنين.
لقد واجه موسى عليه السلام العديد من الصعوبات لاستكمال مشروع الدعوة داخل مصر، ولكنه لما ييأس من ذلك، فقد كانت هناك الخطة البديلة وهي الخروج من مصر، وبفضل التخطيط الدقيق والاستعانة بالله، تمكَّن من قيادة قومه نحو الحرية، وهذا يظهر أهمية وضع خطة شاملة تأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل والمتغيِّرات المحيطة بالمشروع. قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(68)}.
تمثِّل قصة أهل الكهف نموذجاً لإدارة الموارد المتاحة بذكاء، فقد ذكر الله تعالى في سورة الكهف قصة أصحاب الكهف الذين فروا بدينهم من الملك الجبار. أظهرت هذه القصة كيف يمكن استخدام الموارد المتاحة في تحقيق الأهداف. كانوا بحاجة إلى الغذاء والمأوى، فاختاروا الكهف مكانًا آمنًا، مما يدل على أهمية استغلال الموارد بذكاء. قال تعالى:
{هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}.
أما المرونة والتكيّف في المشاريع؛ فتمثلها هجرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، عندما واجه العديد من التحديات، منها محاولات الملك للنيل منه لإثنائه عن الدعوة إلى عبادة إله واحد، وكانت النار هي وسيلته في ذلك، فلما نجاه الله تعالى، هاجر من العراق إلى فلسطين. لقد كان عليه السلام لديه القدرة على التكيّف مع الظروف المحيطة وتغيير إستراتيجياته عندما لزم الأمر، مما يعكس أهمية المرونة في إدارة المشاريع. قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
تمتلئ سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالكثير من الأحداث التي ترتبط بعلم بإدارة المشاريع، ففي الإدارة والتوجيه نجد في الغزوات مثالًا واضحًا على الإدارة والتوجيه اللذين كان يمارسهما صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقود المسلمين في المعارك ويعطيهم مهامَ محددة بناءً على مهاراتهم، هذا يدل على أهمية توزيع الأدوار بصورة فعَّالة لتحقيق النتائج المرجوة.
أما عن التواصل والتعاون، فقد أفردت لهما السنة النبوية المطهرة العديد من الوقائع والأحداث، حيث نجد أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يشجع على الحوار والتشاور بين الصحابة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيَّات، وإنما لكل امرئ ما نوى». يظهر هذا نوعًا من التعاون بين الأفراد لتحقيق أهداف مشتركة، مما يعزِّز نجاح المشاريع. كما قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
إن إدارة المشاريع ليست مجرد عملية تنظيمية، بل هي فن يتطلب فهمًا عميقًا للدروس المستفادة من قصص الأنبياء والقرآن الكريم والسنة النبوية، فمن خلال تحليل هذه القصص، يتضح أن هناك مبادئ مُستَمدة من الدين الإسلامي يمكن أن تُسّهم في تحسين مهارات الإدارة وتوجيه الجهود نحو النجاح في أي مشروع.