د. عبدالحق عزوزي
هناك عدة أحداث طغت على الساحة الدولية في السنة الماضية تخلق لبنات النظام العالمي الجديد، نذكر أهمها في هاته المقالة:
- عاد في بداية السنة المنصرمة الجمهوري النيويوركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وهي حالة استثنائية في تاريخ الرئاسيات في الولايات المتحدة الأمريكية، لأن حملته الانتخابية تخللتها محاولتا اغتيال وأربع لوائح اتهام وإدانة جنائية، ومع ذلك صار ثاني رئيس ينتخب لولايتين غير متتاليتين في تاريخ أمريكا بعد الديمقراطي غروفر كليفلاند عام 1884؛ وحمل ترامب صورة له تخالف الرؤية التقليدية لأمريكا عن العالم قائمة على مبدأ «مصلحة أمريكا أولا»؛ وقد طبقها في ولايته الأولى وزاد من جرعاتها في هاته الولاية الثانية.
- ما زالت الحرب قائمة بين روسيا وأوكرانيا، ولم يوقف الدعم الغربي لكييف توغل القوات الروسية ولا منعها، بل وبدأ الرئيس بوتين يستعيد مكانته وحيويته في الساحة الدولية؛ كما أن إسرائيل قامت بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 من القضاء على وكلاء إيران في المنطقة، حماس ثم حزب الله؛ ثم قامت برفع الغطاء عن نظام الأسد في سوريا، وأشعلت الحرب بينها وبين إيران، كما قامت الولايات المتحدة الأمريكية بشن غارات على إيران وقبلها على الحوثيين في اليمن.
- أخطأت إيران التقييم عندما ظنت أن لها حماية بفضل وكلائها في المنطقة الذين يؤمنون بمبدأ المولاة لولي الفقيه؛ كما أخطأت عندما اعتقدت أنها تجيد استعمال أدوات مذهبية بالاستغلال والتجييش الطائفي، وأنها نجحت في تعزيز المصالح القومية الإيرانية، والتمركز داخل النظام الإقليمي وابتزاز الخصوم والأنداد.
- هناك مسلمة اليوم أنه من خلال ما يجري اليوم من أحداث دولية فإن قانون القوة هو الطاغي فيما يجري، وما سيجري من أحداث، بمعنى أن الكثير من القوانين الدولية ستبقى حبرا على ورق، والعديد من المنظمات العالمية ستدخل في سبات عميق؛ وسيقوي كل هذا النفاق الدولي وازدواجية المعايير التي تخدم مصالح القوى العظمى، وسينمي كل يوم الخط الفاصل بين دول الجنوب الشاملة والفاعلين الكبار في النظام العالمي، بل وسيساهم في الزيادة من حدة التوتر بين القوى العظمى أنفسها.
- نشرت الولايات المتحدة الأمريكية وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأميركي 2025، وهي بمثابة إعلان استراتيجي شامل ينبئ عن نهاية مرحلة كاملة من النظام العالمي القديم ويرسم خريطة طريق للفاعلين الأمريكيين داخليا وخارجيا، ويشكل قاعدة بيانات لدول العالم تستطيع من خلالها رسم سلوكاتها الحالية والمستقبلية.. وتعكس الوثيقة في كل فقراتها قناعة الإدارة الأميركية بأن العولمة بصيغتها القديمة لم تعد تخدم الاقتصاد الأميركي، وأن استمرار الالتزامات الأمنية الواسعة لم يعد ممكنا خاصة على حساب الاقتصاد الوطني؛ وتعترف الوثيقة بصعود آسيا كمحور جديد للنمو والاستثمار وأن التحالفات الحالية يجب أن تقاس بالمنافع الاقتصادية لا بالقيم السياسية.
- أكبر خاسر في الوثيقة هي أوروبا التي كان أهلها يحبرون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تحت المظلة الأمريكية؛ وتجد نفسها اليوم خارج الحسابات الجديدة، فلم تعد الشريك الذي يحمى بل الشريك الذي عليه أن يتحمل التكلفة؛ فالوثيقة تسطر بأن مرحلة «الدعم الأميركي المفتوح» قد ولى وأن على أوروبا رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.5% من الناتج المحلي، وأن عليها النظر في سياسات الهجرة التي تتبعها وتكلف اقتصاداتها الملايين من الدولارات.
بهذه المقاربة، يمكن اعتبار التوجه الأمريكي بمثابة تحول استراتيجي كبير سيغير بنية التحالف الأطلسي خلال السنوات القادمة.
- والنتيجة أن أوروبا بسبب ضعفها العسكري ستتقبل سرا كل ما ستسطره الإدارة الأمريكية لحل النزاع الروسي-الأوكراني؛ ورغم التصريحات المتباينة من طرف رؤساء أوروبا، ودعم هؤلاء العسكري والمادي لكييف، فإن التوجه الحالي هو دفع أمريكا إلى إيقاف الحرب في المنطقة، وعدم التصعيد العسكري مع روسيا وعدم إقبار الاتفاق المؤسس بين روسيا والحلف. وستكون روسيا طبعا المستفيد الأكبر من تخلّي واشنطن عن أوروبا، إذ ستحصل على إمكانيات أكبر للمناورة الاقتصادية والجيوسياسية.
- تعد الصين أكبر منافس لأمريكا، والصراع معها هو صراع تكنولوجي وصناعي أكثر من كونه صراعا جغرافيا: فالصين تملك أكثر من 30 في المائة من الإنتاج الصناعي العالمي وتسيطر على أزيد من 40 في المائة من سلاسل الإمداد المتقدمة، كما أن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تجاوزت 70 مليار دولار.