د.محمد بن عبدالرحمن البشر
اعتاد الناس على سماع تصانيف متعددة للبشر، وربما يأخذها البعض كحقيقة مطلقة لا غبار عليها، غير أنه لو تساءل عن مصدرها وتتبع ذلك، فقد يجد أنه مجرد أسطورة أو مقولة لغرض الافتخار والتميز، فنحن نسمع بتقسيم بني آدم أي الإنسان العاقل من الصنف البشري إلى أبناء سام وحام ويافث، ولا شيء مطلقًا في هذا الكون يثبت ذلك، لكنها نبعت من الشرق الأوسط أثناء السبي البابلي والصراع بين القبائل الكنعانية التي منها من كانوا بدوا مثل الذين أطلق عليهم العرب واليهود، أو كانوا أصحاب بحر مثل الفينيقيين، أو سكان المدن المتناثرة في الشام، وكان الصراع يبرز ويخبو طبقًا للظروف، بينما نجد أن حضارة مصر والعراق قد نشأت على ضفاف الأنهار، وكونت دولاً وحضارة مثل الحضارة المصرية والحضارة السومرية ومن بعدها الآشورية والبابلية، وقد أورد ذلك التقسيم إلى سام وحام ويافث كتبة التوراة الذين كتبوها من ثمانمائة قبل الميلاد حتى أربعمائة قبل الميلاد، ثم زيد ما زيد فيما بعد، وأصبحت كأنها حقيقة، والغاية منها إظهار التميز، والتقليل من شأن الآخرين، وحتى ما ذكر عن أن هاجر والدة إسماعيل كانت مصرية ليس عليه دليل، فلا شيء مطلقًا يثبت أن هناك من اسمها سارة أو هاجر، سوى ما دونه كتبة التوراة، والله أعلم بصحته، وكان التصنيف قد ميز قومًا معينين بأبناء سام، بينما الآخرين ممن حولهم في مصر و الشام أبناء حام، والأقوام الآخرين أبناء يافث، وقالوا إن هؤلاء الثلاثة هم أبناء نوح عليه السلام، لكن الدليل على ذلك غير موجود، إلا أن مؤرخي العصور اللاحقة، وربما بعضا من أهل هذا الزمان نقلوها كحقيقة، دون التحقق من أصلها، فصارت عند البعض أمرًا لا لبس فيه.
هناك تصنيف بشري آخر عند العرب بتقسيمهم إلى عرب عاربة وعرب مستعربة، وهذا أيضا لا يوجد ما يثبته،
وأول من ذكر ذلك هو هشام بن محمد بن السائب بن بشر الكلبي من قبيلة كلب اليمانية، والذي وصل إلينا بعضاً من كتبه مثل أنساب الخيل والأصنام ومثالب العرب، ونسب معد، والأيام، وجمهرة النسب، وهو الكتاب الذي ورد فيه تصنيف العرب إلى عاربة و مستعربة، ووالده عالم مشهور له باع في التفسير والنسب وغيره، ونقل عن والده الكثير، وتقسيمه العرب إلى عاربة ومستعربة ربما بدافع التميز لان قبيلته يمانية فرآهم أصل العرب، وهم العرب العاربة، لكن لا دليل على ذلك، وقد اختلف العلماء في نعته، فمنهم من أخذ منه في النسب وترك روايته في الحديث، وهناك من رآه ثقة في النسب والحديث، وآخرون يرون ترك كتبه في النسب والحديث، والحديث عنه يطول، وقد قرأت كتبه المطبوعة جميعها، وفيها ما هو غير منطقي، وفيها متعة وفائدة بغض النظر عن درجة صحة بعض ما ورد فيها.
قبل أيام معدودة سمعت في التلفاز من صنف البشر إلى آكلة اللحوم، وآكلة الأعشاب كما يزعم هي تلك الدول غير القادرة على الدفاع عن نفسها، بينما أكلت اللحوم هي الدول التي لديها القوة لمحاولة فرض ما تريد كما هي الولايات المتحدة الامريكية، وهو يقول إن الدول الأوروبية كانت من آكلة اللحوم لأنها استعمرت الكثير من الدول بقوة السلاح وأكلت ما شاءت من خيراتها، بينما هي اليوم يتم أكلها من قبل الدول الكبرى، كما يطالب به الرئيس الأمريكي اليوم من ضم جزيرة جرينلاند الدينماركية على مرأى من عيون اوروبا التي لا تستطيع فعل شيء يذكر.