أ.د.عبد الله بن سليم الرشيد
أما أستاذنا محمد بن سعد بن حسين، رحمه الله (ت 1435هـ/2014م) فكان في لطف علاقته بطلابه ما يكثُر سَرْدُه، من ذلك أنه سألنا يومًا: أيُّكم خطّه جميل؟ فعندي أوراقٌ أريد انتساخَها. فأشار الطلاب إليّ، فقال: يا عبدَالله؟ هل خطُّك جميلٌ؟ فقلت: (فيه ملاحة)، فأظهر العجَبَ، وقال مشجّعًا: ما أحسن جوابك! لم تشأ مدحَ نفسِك صراحة. وهذا الموقف اللطيف والتعليقُ البديع على قولتي المرتجَلة حفزني لانتقاء ألفاظي، وتخيّر أجود التراكيب حينما أتكلم أو أكتب.
وكان فيه من سعةِ البال وسلامةِ الصدر ما جعله مؤنِسًا للطلاب، رفيقًا بهم، مفرِّطًا في محاسبةِ المقصّر منهم، لشدّةِ تحنِّنه عليهم، وكان إلى ذلك، مستمعًا جيّدًا، يقبلُ الرأي ويناقش الطلاب، وإن كان لا يحيدُ عما يراه، وله وجهاتُ نظره فيما اختار.
وقع أن اتهمنا يومًا بالإهمال وترك التفرّغ للعلم، وأننا غير جادّين في الطلب، وذكر أنه كان هو وجيله لا يألُون جهدًا في الإفادة من أساتذتهم، وأنهم يقضون جُلّ أوقاتهم في القراءة، فما كان من زميلنا عبدالعزيز المقحم، شفاه الله وآجرَه -وكان جريئًا على الأساتذة جرأةً جعلتنا ندّرعُ به إذا احمرّت الحدَق- إلا أن سأل: مَن أساتذتكم؟ فقال ابن حسين: ولمَ السؤال؟ قال: حتى نوازنَ بين أساتذتنا وأساتذتكم! فأسرّها ابن حسين في نفسِه، ولم يعلق إلا بابتسامة واهنة، ولم ينهرْ الزميل، ولم يبكّتْه، وكلُّ أولئك دلائلُ على رحابة روحه، وسعة صدره، رحمه الله.
وفي إحدى محاضراته، أراد ابنُ مقحم أن يتكلم، فقال: أنا أريد...فقاطعه ابنُ حسين ممازحًا، وقال: دعك مِن (أنا)، فقال ابنُ مقحم: حسنًا، (نحن) نريد... فضحك الطلاب، ولم يستطع ابن حسين رحمه الله مغالبةَ الضحك.
ومن أوابدِ هذا الزميل الكريم مع أستاذنا ابن حُسين، أن الأستاذَ أنحى عليه باللائمةِ في أمر لا أذكرُ كنهَه الآن، فكأن عبدالعزيز بن مقحم تضايق لتخصيصه باللوم، فقال: يا أستاذ، أنا وأنتم على ما قال الشاعر: (كالثورِ يُضربُ لما عافت البقرُ)، فقال ابنُ حسين: هذا بيتٌ غير ملائم، هل ترضى أن تكونَ (ثورًا)؟ فقال ابنُ مقحم بديهةً: إن رضيتم أن تكونوا بقرًا فأنا ثورُكم. فاستغرب الأستاذُ ضحِكًا، وضجّت القاعة ضجيجًا.
ولما درّسنا في مرحلة التخصص (الماجستير) أفاضَ في رأيِه مسفِّهًا شعرَ (التفعيلة)، وأخرجه من الشعر كلّه، فأسمعتُه قصيدةَ نزار (أندلسيّة)، فاهتزّ لها، ولكنه تنبّه فقال: لعلك اخترتَ أجودَ ما فيه، قلت: هذا يعني أنه يمكنُ أن يكونَ جيّدًا.
هكذا كان، رحمه الله، رحابةَ صدر وحلاوةَ روح وطيبَ قلب.
وأما أستاذُنا محمد علي الهاشمي، فذاك ممن لا يُنسى ولا يجوزُ أن يُهمَلَ ذِكره، فقد كان مِعطيرًا، شديدَ التأنّق في لباسِه، رَكينَ الـمِشْية، رفيقَ الصوتِ، هادئَ النظرات، حازمًا في لِين، درّسنا مرتين، وفي المرة الأولى أهدى الطلابَ جميعًا نسخًا من أحد كتبه، وكانوا نحو الأربعين، وفي المرة الأخرى -وكنا على مشارف التخرّج- درّسنا (النصوص الأدبية)، وما زلتُ أذكرُ ذلك اليوم الذي خرج فيه لعارضٍ عرَض، إلى الوضع في (سورية) وهو سوريٌّ، فجشأتْ نفسُه وجاشت، وأخذتْ بكَظْمِه ذكرى بلدِه الذي مُنِعَ العودةَ إليه، فتحدّرَ يذكرُ ما لقيته سوريةُ من (الأسد)، وأفاض في الحديث عن (مجزرة حماة) التي لم تجفّ دماءُ أهلِها حينذاك، ولم تنطفئْ ثائرتُهم ولا نائرتُهم، حتى لمع الدمعُ في موقَيه، وذهب جُلُّ المحاضرة في موضوع سياسي وأحداثٍ مروّعة فاضت بها ذاكرتُه، ورواها بفصاحةِ لسانِه، وعُذوبةِ منطقِه، وجيَشانِ شعوره.
وممن درّسنا الدكتور عبدالله بن عبدالرحيم عُسَيلان، وكان نصيبُنا منه مقررَ (القراءة في كتاب الكامل)، ومن سماتِه وقارُه الشديد، وجِدُّه البالغ، وتنزُّهُه عن كلّ ما يظنّه مفضيًا إلى تجريءِ الطلاب عليه، أو استهانتِهم بالمقرر، ومع ذلك كان الطلابُ مطمئنّين إلى الدرسِ بين يديه، لِمَا رأوا من حسنِ علاقتِه بهم، وتقديرِه إياهم. ولم تَـخْلُ محاضراتُه من طُرَف ونوادر بعضُها مستنبَطٌ من كتاب (الكامل)، وبعضُها ناشئٌ عن جهل بعض الطلاب، ومن هذا الضرب الثاني أنه مرّت بنا جملة في الكتاب فيها قول بعضهم يخاطبُ مصلوبًا عاريًا: (ولا أحسبُك جانيًا مع ما أراه من وُفورِ عانتِك)، فسأل أحدُ الطلاب: ما معنى (وُفُور عانتِك)، فكأنّ الأستاذَ حرِجَ لحرج المعنى، فقال: (العانةُ معروفة). وسكت، فألحّ الطالب: ما المعنى؟ فتشاغل الأستاذُ بأوراقه وصار يقلّبها، وقال: يا بُنيّ، المعنى واضح. ولم يزدْ على ذلك.
وهذا الحرجُ الذي لقيه الأستاذُ الفاضل دالٌّ على الحياء، والحياءُ من شُعَب الإيمان، فضلًا على دلالته على النُبلِ وشدّةِ التوقّر، وإلا فقد كان يمكنُه أن يصرّح بالمعنى، ولا حياءَ في العلم.
وهذا الخبرُ ذكّرني حدَثًا مشابهًا بعيدًا، إذْ كنا في المرحلة المتوسّطة، ندرس (الفقه)، فمرّتْ بنا جملةٌ فيها لفظ (العَذِرة)، فبيّن الأستاذُ معناه، واستمرّ يشرحُ باقي الدرس، فسأل أحدُ الطلاب عن المعنى، فأبانه الأستاذُ على عجَل، ثم انْفَتَل ليُتِمَّ الدرس، فقاطعه آخرُ يسأل عن معنى الكلمة، فقال متنهِّدًا: شرحتُها قبل قليل، وهي كذا، وانبسط في درسه، وبعد دقائق رفع ثالثٌ يده وقال: ما معنى العذِرة؟ فاستشاط غضبًا، ورمى القلم على المنضدة، وقال بصوت عالٍ: (الله يلعنكم ويلعن اللي يدرّسكم).
ومن أساتيذِنا في كلية اللغة الدكتور درويش الجندي، رحمه الله، وهو رجلٌ أصلعُ جسيمٌ بدين، عظيم الرأس، يلبس طاقيّة يغطّي بها صَلَعَه، وكان من عادته أن يبادرَ منذ دخول القاعة إلى عدّ الحاضرين، ولهاثُه لم ينقطع بعدُ من المشي، إذْ كان مُهدِفًا إلى السبعين فيما أقدّر، فإذا شرع في درسه تدفّق بسيلٍ من العلم والمعرفة في الأدب والنقد، فإذا سأل أحدُنا سؤالًا، قام من كرسيه، وجاء يتهادى إلى السائل، وقد سألتُه مرارًا، فإذا أقبل عليّ بجسده الفارع الضخم، تذكرت قوله تعالى: (وإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ)، حتى إذا وقف تُجاهي، شرع يهدرُ بالجواب، وفمه يُزبد، وفي إحدى المرار ومع فرْطِ حماسته سقطت أسنانُه المركّبة، وكان لا يضحك، بل يبتسم ابتسامةً يؤدّي بها زكاةَ المخالطة فحسب.
وكان كثيرَ الصمت خارجَ المحاضرة، لا يحبُّ أن يتقرّبَ منه الطلاب، ولا يرغبُ في المتزلّفين إليه منهم، ولذلك كان يأبى أن يحملَه أحدٌ منهم إلى بيته؛ تورّعًا ورغبة في التجرّد العلمي، وتلك سمة عزيزة.
أذكرُ أنه درّسنا في الدراسات العليا، وكنا ندرسُ بعد العصر إلى صلاة العشاء، وكان مبنى الكلية في الناصرية متواريًا بعيدًا عن الطرق التي تكثرُ فيها سيارات الأجرة، فاضطُرّ إلى قبولِ عرضي بإيصاله، فأوصلته مراتٍ قليلة، كان فيها كلِّها صامتًا طَوالَ الطريق، لا يحبّ أن أتحدّثَ معه، إلا بالكُلَيمة المقتضَبة بعد الكُلَيمة، حتى إذا وصلتُ قربَ الموضع الذي فيه بيتُه في (حِلّة القُصْمان) بالبطحاء، طلب أن أنزِلَه على رصيفِ الشارع العام؛ خشيةَ أن أعرفَ بيته، وكلُّ ذلك منه تورّع وزهدٌ في علاقاتِ الطلاب المَشُوبةِ المغموزة غالبًا.
أما أستاذُنا بدوي طبانة، رحمه الله (ت1420هـ/2000م) فكانت لي معه أخبارٌ جعلتْني صديقَه الصغير، والسببُ سيارتي، ولأن شقّته على طريقي في حي (عُتيّقة)، حين كانت الكلية في الناصرية، وكان يدرّسنا في آخر محاضرة يوم الأربعاء، ثم يركبُ معي، واعتاد ذلك، ولم أكرهْه؛ لأني كنت أستمتعُ بأحاديثه، ولأنه لا مشقّةَ عليّ في إيصاله.
وفي أحد الأربعاوات - وكان يومذاك جَذلانَ طيّبَ النفس- وبعد أن انتهت المحاضرة، وتقاطر الطلبةُ للخروج، التفت إليَّ، وقد أحاطوا به، وقال: (إنت حتروّح؟) فقلت: نعم (حأذهب)، فضحك الطلاب، وخَشِيتُ أن يبطشَ بي بكلمة قاسية، ولكنه ضاحكهم، وقال: آه، (لحنَ الأميرُ فلحَنْتُ)!
وما كانت خشيتي في غير موضعها، فقد كان إذا غضب بطشَ بمن أمامه، بلسانٍ ذربٍ قاطع. استنكر مرةً قراءةَ طالب إفريقي، فقال له: أنت سترسب، فقراءتُك ضعيفةٌ جدًّا.
ويبدو أن ذلك الطالبَ المسكينَ أخذه من تلك الكلمة المقيمُ المقعِد، فإنه لما دار الأسبوع رفع يدًا مرتعشةً مستأذِنًا طبانةَ، فأَذِن له، فقال بعربية ضعيفة: (يا أستاذ، أنت حقودٌ عليّ)، أراد أن يقول (أنا متضايق من عتبِك عليّ، ومن كلامك لي) ونحو هذا، وقصدُه إظهارُ رغبتِه في أن يُمنحَ فرصةً لتحسين قراءته، فالتفت إلينا الأستاذُ، وكأنه يستوثقُ مما سمع، وسأل: ماذا قال؟ فلم ننبِسْ ببنتِ شفةٍ. فكَرَّ الطالب معيدًا: (يا أستاذُ أنت حقودٌ عليّ).
فلما أيقن طبانةُ بِقَالته، صاح في وجهِه صيحةً خلعتْ قلوبَ الجُبناء، أعني نفسي والطلاب: (اسكتْ أيها الزَّنـْجيّ). فغَشِيَ القاعةَ ضبابٌ من الوجوم والدهشة والرحمة لذلك التلميذ الذي لم يُحسِن التعبير، ولم يرُقْنا ذلك الوصفُ العنصريُّ القبيح.
وعلى غلبة التوقّر عليه خرجَ عن طورِه بضعَ مِرار، منها أنه كان يدرّسنا مقرر (الأدب الإسلامي)، فناقشه طالبٌ شنقيطي في مسألة، واحتدّ كلاهما في وجهة نظره، فما كان من طبانةَ إلا أن قال للطالب بصوتٍ هادر: (اخرس)، فردّ عليه الطالبُ الشنقيطي وهو من الهدوء في غايته، وبلهجتِه الشنقيطية اللطيفة: (أهذا هو الأدب الإسلامي الذي تدرّسه؟).
لقد كانت سلاطتُه وعنفُه من أسباب خشيتي إياه. حتى في مواقفِ المدح كنتُ أتهيَّبُ ثناءَه عليّ.
قرأت عنده يومًا فأعجبته قراءتي، بعد قراءةٍ ضعيفة من زميل كان أبسطَ مني جسمًا، (وعليه قطيفةٌ من نسج أضراسه)، فقال له، وهو يشير إليَّ: هذا (القَمِيءُ الهزيلُ الشاحبُ) خيرٌ منك. ونسيتُ الوصف الذي نعَتَه به، غيرَ أنه أفرغ عليه دلوًا من الهزء. على أن في مدحِه إياي تنبيهًا على صفاتٍ لعلها كانت خفيّة عن أترابي، ففِعْلُه شبيهٌ بشفاعة صديق الأعمش، الذي قال لامرأة الأعمش وأراد الإصلاحَ بينهما، وكان كفيفًا: (هذا شيخُنا وسيّدُنا، وعنه نأخذُ دينَنا، فلا يغرَّنَّكِ عُمُوشةُ عينيه، ولا نَتَنُ إِبِطيه، ولا حُمُوشةُ ساقيه)، فغضب الأعمش وقال: يا خبيثُ، أعمى الله قلبَك كما أعمى عينيك، قد أخبرتَها بعيوبي كلِّها.
وفي أثناء دراستي السنةَ المنهجية لدرجة التخصص (الماجستير) درّسنا طبانةُ نحو شهر، وكان أستاذًا زائرًا، ولما رآني في أولى محاضراتِه قال لي: (أنا ادّيتك قايزة)! فبَسَمْتُ وشكرتُه، ولم أفهم مرادَه، وهِبْتُ أن أسألَه، وبعد حينٍ أُخبِرتُ أنه كان عضوًا في لجنة تحكيم قصائد الطلاب المشاركين في أسبوع الجامعات السعودية الذي عُقد في عامنا السابق (1407هـ)، وكنت شاركتُ فيه ممثِّلًا الجامعةَ، وفزتُ بالمركز الأول.
ومن الأساتيذ الدكتور محمد بن سعد الدبل رحمه الله (ت1434هـ/2013م)، الذي درّسنا البلاغة، وهو مشهور بسعة الصدر، والرفق، والتعامل الحسن مع الطلاب، إلى الدرجة التي تُجرّئهم عليه، أذكر أنه انتقد يومًا بيتًا للمتنبي، وكنا في السنة الثانية سنة 1405هـ، ثم سألَ زميلنا عبدَالعزيز المقحم، شفاه الله: ما قولُك في نقدي؟ قال عبدالعزيز: قد أقام المتنبي لنفسه محاميًا، فقال الدبل: ما هو؟ قال: قولُه:
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفتُه من الفهم السقيمِ
وعلى شدّة هذا التعريض وقساوته لم يغضبْ، بل ضحك ضَحِكَ المعجَب بالبديهة.
وبعد حين -وقد صرتُ محاضرًا في الكلية- نقدت منظومةً رديئة جدًّا للدبل، رأيتُ أنها ما كانت تليق به، ونشرت النقدَ في صحيفة (مرآة الجامعة)، بعنوان (الدبلُ ورُقْيَةُ العقرب)، فاستنبثَ أحدُ الطلابِ رأيَه فيما كتبت، فقال: (هذا يريدُ أن يتسلّق على أكتافي)! رحمه الله، ولماذا أتسلّق على أكتافِ الناس والسلالمُ كثيرة وفيرة؟
(للحديث صلة).