د.عبدالإله آل سودا
من السمات العجيبة في مفردات اللغة العربية؛ وجودُ كلماتٍ كانتْ مهجورةً في الكتابات العربية القديمة، ثم جرى إحياؤها وتداولها في العصر الحديث على نطاقٍ واسع! وربما كان العكس؛ بشيوع مفردةٍ ما، في الكتابات العربية القديمة، مع غيابها التام في الكتابات المعاصرة، إلا ما نَدَرَ في كتاباتٍ أدبية أو لغوية مُنْزَوية.
ومِنْ هذا القبيل، كلمة: «التَّكْلِفَة» التي -بحَسَب ما جاء في المعاجم القديمة- تُشير إلى معنى المشقة أو احتمال الأمر على مشقة. غير أنّ اللافت في مُفرَدَةَ «تَكْلِفَة» هو خُفُوتُ ذِكرها وتداولها في الكتابات القديمة خُفُوتًا يُشبه الهِجران التام. وأعني بالكتابات القديمة، أيْ كتابات ما قبل العصر العربي الحديث (1805م تقريبًا)، وقد راجَعتُ بعضَ المعاجم القديمة باحثًا عن مدى استعمالها في النصوص التراثية؛ فلم أتحصّل إلا على نَصٍّ يَتيم، وهو قَولُهم: «حَمَلْت الشَّيءَ تَكْلِفَةً» أيْ إذا لم تُطِقْه إلا تَكَلُّفًا؛ لا أريحيةً وسَماحةً.
ولعل قِلةَ ورود كلمة «تَكلِفَة» في الكتابات القديمة يَرجِع إلى ضبابيتها من الناحية الصرفية، إذْ كان من المتقرر في علم الصرف أن مَصْدَرَ الفِعْل الرباعي المُضَعَّف غيرِ معتلِّ الآخر كـ «كَلَّفَ» و«جَرَّبَ»، يكون على وزن «تَفعيل»: تَكْليف، تَجريب. وهو الوزنُ المَقِيْسُ المُطَّرِد. وربما كان تَحَاشِي كثيرٍ من القدماء استعمالَ كلمة«تكلِفة»؛ نَظَرًا إلى هذه القاعدة. ومع ذلك، فقد وَجَدَ بعضُ الصرفيين والنحويين وجْهًا مقبولاً لمجيء هذا الفعل(أيْ الفعل الرباعي المُضَعّف غير معتل الآخر) على وزن «تَفْعِلَة»؛ فأجازوا مِثْلَ: كَرَّمَ تَكرِمَةً، وجَرَّبَ تَجرِبةً، وكَلَّفَ تَكْلِفَةً... إلخ. والأصلُ المَقِيس: كَرَّمَ تكريمًا، كَلَّفَ تَكليفًا... إلخ.
أما مُفردَةُ «كُلْفَة» فهي مصدر الفعل الثلاثي كَلِفَ، ويَتعدّى هذا الفعل بنفسه وبالحرف، فيُقال: كَلِفَ الأمرَ: احتمله على مشقةٍ وعُسر، وكَلِفَ بالشيء: أُولع به على مشقةٍ. وقد يَدل المصدر: «كُلفَة» على اللون وهو الأصل في الدلالة، فيقال: تَعلو وجهَه كُلْفَةٌ كما يُقال: حُمرة وصُفرة. وفي السياقات المعاصرة اقتصر استعمالها على معنيين، الأول (المعنى المعجمي القديم): المشقة، أو احتمال المشقة ومنها المجاملة في التعامل، يُقال: رُفِعَتْ الكُلْفَة بينهما، أي المجاملة والتصنع. والمعنى الثاني هو: ما يُنفقُ من مالٍ أو جُهد أو وقت لتحصيل شيء. وهو بهذا المعنى الثاني يَقترب (دون تَطابُقٍ) مِنْ معنى كلمة «تكلِفة» في الكتابات العربية المعاصرة.
غير أنّ المُطّلعَ على الكتابات المعاصرة لاسيما في المجال الاقتصادي والمحاسبي، يَجدُ أنّ «تَكلِفَة» لم تَعُد تُستعمل بمعنى المشقة كما في الكتابات العربية القديمة، وأنها بمعية مفردة«كُلْفَة» آل بهما الأمرُ إلى أن يَتعاورا معنىً اصطلاحياً حديثًا، هو: «ما يُنفقُ من مالٍ أو جُهد أو وقت لتحصيل مَنفعة». مع اختصاص مفردة«التكلفة» بمعنىً اصطلاحي عِلمي عُرِّفَتْ به وهو: «قيمة الموارد التي تُبذَل أو تُستنزَف للحصول على منفعة أو إنتاج سلعة أو خدمة، وتشمل الموارد المالية والمادية والبشرية والوقتية، أي إجمالي ما يُنفق أو يُستهلك أو يُفقد نتيجة اتخاذ قرار اقتصادي». وهو تَعريف مشابه للتعريف السابق، إلا أنه يَختلف عنه بوجود صِبغةٍ مؤسسية جَماعية فيه. بالإضافة إلى أن هذا التعريف باتَ يُقابل تَعريفَ مصطلح Cost في اللغة الإنجليزية، الذي ينضوي تحته عدة مصطلحات تُرجِمَت إلى العربية، من مثل: Production cost تكلفة الإنتاج، التكلفة الإجمالية Total cost ...إلخ.
في حين أن «كُلْفَة» ظلتْ تُستعملُ في كتاباتنا العربية المعاصرة بنفس تواتر استعمالها قديمًا، وبمعناها المعجمي القديم نفسِه: المشقة/احتمال المشقة/حُمرةٌ كَدِرَة تَعلو الوجه/المُجاملة والتصنّع التي هي نوعٌ من المشقة/نوعٌ من رَقيق النسيج يُضاف إلى الثوب حليةً وزينة. فضلاً عن الدلالة المعاصرة التي اكتسبتها هذه المفردة في المجال الاقتصادي والمُحاسبي، فهي إذَنْ لفظ لغوي عام، متعدد الدلالات، وغير مقيَّد بوظيفة اصطلاحية دقيقة كما في «تكلِفة».
ويُرصَدُ في الاستعمال اللغوي المعاصر وجودُ التباسٍ بين «التكلفة» و«الكُلفة»، وهو التباسٌ غير مُريح للمتلقي، وغير مُطَمْئِنٍ للمُبتغين ضَبْطَ المصطلحات وتحديدَ المفاهيم. حيث إنّ هذا التعاوُرَ والتقارُضَ بين المفردتين لا يَستند -في رأيي- إلى دقةٍ لغوية أو انضباطٍ مفاهيمي مُصطلحي، وإنما يَصِف شيوعًا لغويًا في الخطاب العام.
ومِنْ أجل ذلك، ولأن الكتابة الاقتصادية والمحاسبية تتطلب مصطلحًا مُقنّنًا غير قابل للتبادُل؛ يُوصَى باعتماد استعمال مصطلح «التكلفة» قَصْرًا وحَصْرا عند الحديث عن التحليل المالي والاقتصادي وما دَانَاهُما، لاسيما إذا كان الحديثُ يُعبّر عن مؤسسة أو منظومة اقتصادية أو خدمية متكاملة؛ نَظَرًا إلى أنّ مفردة «تكلِفة» أقوى في الدقة الدلالية، حيث تَقتصر في دلالتها على معنىً واحد، بخلاف «كُلفة» ذات الوجهين: المعنوي والمادي. إضافةً إلى أن «تكلِفة» هي مما زيد في مبناها، بوجود حرف التاء في أولها. وزيادةُ المبنى زيادةٌ في المَعنى، وهي -إلى ذلك- زيادةٌ تُناسب تَعقيدَ العملية الاقتصادية والمحاسبية في عصرنا، كما أنّ مفردة «تَكلِفة» مرتبطة بمنظومة مصطلحية كاملة ومتسقة، مثل: سعر التكلفة، ودالة التكلفة، والتكلفة الكلية... إلخ، وهي تراكيبُ لا تُستعمل فيها «الكُلفة» في الكتابات المتخصصة.
إن هذه التوصية لا تَعني أن الخيار الآخر «كُلفَة» خيارٌ لغوي خاطئ، بل تعني أنّ هذا الخيار لا يؤدي الوظيفة الاصطلاحية المطلوبة؛ إذِ المسائل لا تُحسم بمدى الصحة اللغوية حين نَحكُمُ بين كلمتين أو أكثر، ولا بالصيغة الصرفية الأسلم والأصح، ولا حتى بالشيوع العام، بل تُحسم بمقدار ما ينجزه اللفظ داخل الحقل العلمي الذي يُستعمل فيه. فليس كل ما كان أصحّ لغويًا يَصلُحُ أن يكون مُصطلحًا شائعاً، فقد لا يؤدي الدقة المطلوبة. تلك الدقةُ التي تكونُ ثمرةَ التقاء الأصل اللغوي(المُعجمي) مع الاستعمال العلمي المستقر. ومن هذا المنظور، تكون مُفردةُ «التكلِفة» هي اللفظَ الموصى به في الكتابات الاقتصادية والإدارية والعلمية المعاصرة، بوصفها المصطلح الذي استقر عليه معظم أهل التخصص، واتسق صَرْفيًّا ولُغويًا، ودَقّ في المقابلة مع المصطلح الإنجليزي المعتمد.