د. شاهر النهاري
ليس الموت هو الفاجعة الوحيدة في حياة الإنسان، بل هناك فواجع منسية، أكثر جهرا وجرحا، وأشد جلادة، وهي أن يعيش المرء عمره كاملًا دون أن يُقال له إنه كان جميلًا في وجوده وفعله، نقيًّا في قصده، أو صادقًا في وفائه وعطائه، ثم لا يُستدعى اسمه إلا مسبوقا بكلمة مرحوم، وبعد أن يُغلق عليه القبر، وعندها تتبارى الأقلام في الكتابة بحبر الدموع ولحن البكاء، وتتفجّر الألسن بالكلمات كما لو أنها كانت محبوسة في سحابة صيف، تنتظر لحظة برق فاجعة الرحيل.
وهنا يبرز السؤال الإنساني والأخلاقي والفلسفي:
فكيف ينتفع الراحل بما يُكتب عنه بعد موته؟
وهل تصل إليه هذه الكلمات العطرة، أم أنها تظل معلّقة في هواء أنفاس الأحياء، ومرايا عاطفة تخدم كاتبها أكثر مما تخدم من كُتبت باسمه؟
بداية فالتأبين، في جوهره، فعل إنساني نبيل، يختلط فيه الحزن بالحنين، والوفاء بالحقيقة، والدعاء بالذاكرة، وهو عمل مقدر لمن نعرف تاريخه، ونواياه!
فكثيرا ما تكون كلماته صادقة نابعة من قلب مكلوم، حينما يصور فقدا لصديق أو قريب أو رفيق درب.
وهذا النوع من التأبين لا يحتاج إلى تبرير، لأنه مكتوب بالدمع قبل الحبر، وبالفقد قبل اللغة، وبالحسرة تتبعها شهقات.
وحقيقة أن الإشكال لا يكمن هنا، ولكنه يبدأ بنفش ريش واستكانة، وصعود على خشبة مسرح، أمام ميكرفونات متعددة، وبريق فلاشات، وحينها يتحوّل التأبين من بوح صدق وشهادة محبة إلى عرض بهلوان ذاتي استعراضي، ومن تأبين ذكرى حقيقية إلى سرد يتدخل فيه المخرج، لإرضاء الجمهور.
كم من راحلٍ لم يسمع في حياته كلمة شكر واحدة، ثم صار بعد موته أخًا وصديقًا ورفيق درب، لعشرات الأقلام والألسن، التي لم تلتفت إليه يومًا!
وكم من إنسان بذل كل جهوده لإرضاء الناس، ثم انحنت به ممرات الدنيا، فوجد نفسه على الهامش، وشعر بالتوعك، وعاصر العزلة، لا يرن هاتفه، ولا يُطرَق بابه، ولا تُذكر أعماله ولا يشاد بفضائله، ولكنه بعد أن رحل أصبح مركزًا لقصص معارفه القدامى، وروجت أخبار لقاءات وذكريات ومواقف مشتركة، ما حدث منها وما لم يحدث!
هنا لا يعود التأبين وفاءً، بل يصبح منطقة رمادية كثيرة العواصف، يلُوح فيها طيف الرياء، وتهطل بينها أمطار حب الظهور، والالتصاق الرمزي بمحاسن الراحل.
الكاتب والقائل، حينها يعرف، في قرارة نفسه، أن الميت لن يعود ليكيل اللوم، والتساؤل، والتوضيح، ولن يخرج من قبره ليقول: لم أعرفك، ولم أجلس معك، ولم نصنع كثيرا مما وصفت وادّعيت.
ولن يفند مراحل ودرجات القصور، وهكذا تتحوّل الكتابة عن الموتى إلى مساحات إبداع خيال حرة، آمنة للكاذب، كونها بلا شهود، وبلا ردود، وبلا محاسبة.
ومن الناحية النفسية، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها محاولة لتعويض النقص.. نقص في المصداقية، والعجز عن الاعتراف، أو حاجة إلى تلميع الذات عبر الاقتراب من أسماء محترمة، أو رغبة في أن يُقال: لقد كان باراً، قريبًا من الراحل، وكان جزءًا من تاريخه لا يتجزأ!
وكأن تأبين الميت مرآة خداع يُعيد فيها الكاتب اكتشاف وتشكيل صورته أمام الآخرين، مستفيدًا من قدسية الموت، التي تمنع شبهة الشك، وتجعل السؤال نوعًا من قلة الأدب!
والأخطر من ذلك، أن هذا النوع من التأبين الكاذب لا يظلم الحقيقة فحسب، بل يسرق من الراحل حقه في المواجهة وتشذيب أغصان وأشواك الحكايات.
فلو قيل هذا الكلام في حياته، لكان قادرًا على الرد، أو التصحيح، أو حتى بإنكار تذكره للواقعة، أو ربما منع فضيحة!
أما التأبين بعد الموت، فكل شيء فيه مضمون، بأنه خبر نهائي يلزم الأغلبية بتصديقه، حيث يكون هو الكاتب والمراجع والناشر، وهو صاحب رواية تباع مجانا، بلا توثيق أو مراجعة.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر إيلامًا، فلماذا نصمت عن الثناء في الحياة أو أننا بغيرتنا نتجاهل الحقيقة، ثم نسرف فيها بعد فوات الأوان؟
لماذا لا نكتب لمن نحب وهم أحياء بيننا، فيرون نتاج ذلك وصداه في أعيننا قبل أن يسمعونها على ألسنتنا، ويطمئنون، وربما يفرحون بالتزام مسارات المصداقية!
لماذا نؤجل الاعتراف إلى لحظة لا يعود فيها الاعتراف ذا فائدة عملية، ولا أثرا إنسانيا مباشرا؟
كلماتي هنا لا تدعو إلى منع التأبين، ولا إلى مصادرة مشاعر الناس المفجوعة برحيل أحبتهم، ولكنها تدعو إلى المكاشفة عين بوجه، لسان بأذن، مشاعر بقلب، حينما نستغل دمعة العين، وديمومة الأنفاس، ونكون صادقين في حياتنا كما ندّعي صدقنا بعد الموت، وأن نفرّق بين من يكتب لأنه فقد فعلي لذات الراحل، ومن يكتب بدمعة لا تنزل، لأنه وجد فرصة للظهور بحلة عاطفية براقة جديدة.
إن الكلمات التي لا تُقال في الحياة، تظل بعد الموت أشبه بغبار المقابر… يلمع في الضوء، لكنه لا يبلغ شغاف قلب اليقين.
والوفاء الحقيقي ليس فيما نكتبه عن الراحلين، بل فيما قلناه لهم وهم يسمعون، ويبتسمون، ويشكرون ويحتضنون، وربما يلومون!
أما التأبين الصادق، فهو ذاك الذي لا يحتاج إلى صحوة ضمير، ولا لاختلاق قصص متخيلة، ولا إلى ادعاء مشاعر وعلاقة لم تكن، ولا إلى تضخيم ذات، بل يكتفي بالحقيقة، ولو كانت بسيطة، لأنها منفردة، لا تخجل ولا تهتز، ولا تنافق، ولا تذبل أمام حجب الموت.