د.زكية محمد العتيبي
يقدّم ديوان (لأنها الغابة كان ينتظر نهرًا أو نيزكًا) للشاعر محمد يعقوب الصادر عن (دار رشم) السعودية عام2025 نفسه منذ عتبته الأولى بوصفه مشروعًا شعريًا يطالب بأن يُؤوَّل بصريًا ودلاليًا؛ فالغلاف أماميًا وخلفيًا، لا يعمل كإطار زخرفي، وإنما نصّ موازٍ يكشف عن تحوّل عميق في البنية الشعريّة، وعن انتقال واعٍ من القصيدة المكتفية بذاتها إلى نصّ مفتوح.
سيمياء الغلاف الأمامي:
يهيمن البياض على الغلاف الأمامي كعلامة صمت وانتظار؛ فهو ليس فراغا وإنما زمن سابق على القول، يشبه لحظة ما قبل تشكّل المعنى.
في هذا البياض الغلافي الواسع لا تُقدَّم صورة مكتملة، بل آثار لونية حيث الكتلة الخضراء العريضة، وبقعة حمراء، وأثر أزرق.
وكأنّ اللون الأخضر يحيل مباشرة إلى لفظ (الغابة) في العنوان بوصفها حالة كثافة، وتشابك وهي سمات موازية لبنية نصوص الديوان التي تتفلت من الجنس الواحد لتأتي ولأول مرة عند محمد يعقوب بين الشعر والسرد في تركيبة إبداعية جديدة على لون الشاعر حين صنّف المواضيع الشعريّة التي يتخللها السرد( بالكتاب)
أما البقعة الحمراء فتؤدي وظيفة الصدمة (علامة الجرح) أو الانفجار بما يشبه (النيزك) الذي يخترق الامتداد الأخضر فجأة بما يتماشى مع معظم قصائد الديوان التي تتحدث عن تبدل العلاقات في ثنائية الغياب والحضور.
في المقابل، يظهر الأثر الأزرق بوصفه أثر نهر، لا يفيض ولا يجري بوضوح، وهو ما ينسجم مع سردٍ محتمل لا يكتمل في الديوان؛ لنقف أمام حالة معلقة نعرف أنها إبداع لكنه لون جديد لايشير في معظم الديوان إلى لفظ(شعر) فهو مزيج بين السرد وقصيدة النثر والتفعيلة.
لا يرسم الغلاف الأمامي للديوان مشهدًا، كما لا تقدّم نصوص الديوان قصصًا مكتملة، بل آثار حكايات تتشكّل وتتفكك.
سيمياء العنوان:
يعمل العنوان كعتبة دلالية إشكالية فجملة( لأنها الغابة كان ينتظر نهرًا أو نيزكًا) تبدأ بسببية ناقصة (لأنّ) دون نتيجة واضحة، ما يجعل المعنى يعكس جوهر التحول الأسلوبي في الديوان.
الغابة في العنوان ليست مكانًا، بل بنية نصية؛ والنهر علامة على السرد والامتداد بينما النيزك علامة على الصدمة، إنّه الشعر في أقصى توهجه؛ فالجمع بين النهر والنيزك يعلن توتر الكتابة بين منطقين: منطقة الحكاية ومنطقة الشعر.
سيمياء الغلاف الخلفي:
لا نجد على الغلاف الخلفي ملخصًا تعريفيًا تقليديًا، بل نصًا لغويًا كثيفًا أقرب إلى الاعتراف الإبداعي (في عقلي بضع نيازك أعتد بما لم أنجز بعد) وكأن (غابة) العنوان تتحول إلى حالة داخلية فتصير غابة النفس والذاكرة والقلق الوجودي، وهذه العتبة الخلفية لا تشرح الديوان، بل تُدخل القارئ في مناخٍ نفسيّ يتماهى مع بنية النصوص، ويؤكد أن ما ينتظره ليس مسارًا سرديًا أو شعريا مطمئنًا، بل تجربة مفتوحة على الاحتمال والتأويل.
يشتغل الغلاف الأمامي والخلفي كنظام سيميائي متكامل، يكشف عن تحوّل البنية الشعرية عند محمد يعقوب من القصيدة المغلقة إلى هذه النصوص الإبداعيّة الهجينة التي تمشي على حافة السرد، فالشاعر هذه المرة يقيم في منطقة الانتظار.
لقد جاء الغلاف في هذا العمل الإبداعي لمحمد يعقوب مدخلًا لأول الديوان، وكأنه أكثر نصوص الديوان وضوحًا في الإعلان عن شعرٍ لم يعد يسعى إلى الاكتمال، بقدر مايسعى إلى إبقاء المعنى حيًّا، قيد التشكّل، كنهرٍ محتمل أو نيزكٍ خاطف.
هذا( الشعر) في هذا العمل؛ ثورة جديدة في إبداع الشاعر محمد يعقوب نترقب ما يعقبها من ثورة ضد المألوف والعادي.
** **
- أديبة وناقدة سعوديّة