خالد محمد الدوس
يعتبر مفهوم (الهابيتوس).. من أبرز إسهامات العالم والمفكر الفرنسي المعروف بمفاهيمه الأساسية في علم الاجتماع الحديث «بيير بورديو» (1930-2002).. في فهم الكيفية التي تُشكَّل بها سلوكيات الأفراد وتصوراتهم للعالم دون وعي منهم. ويساعد الهابيتوس الذي يشكل مفهوما مركزيا داخل نظرية (بيير بورديو) في تحليل كيفية إعادة إنتاج الهياكل والتفاوتات الاجتماعية عبر الأجيال، وليس مجرد تفسير السلوك الفردي.
فقد عرَّف بورديو.. (الهابيتوس) بأنه «نسق من الاستعدادات والتصورات والميول المُكتسبة اجتماعيًا عبر التجربة الحياتية والتنشئة الاجتماعية».
إنه بمثابة «برمجة داخلية» أو «بوصلة» لا شعورية تُوجِّه تصرفات الفرد وأذواقه وطريقة فهمه للعالم من حوله، وتجعله يتصرف بشكل «عفوي» و»طبيعي» دون الحاجة إلى تفكير واعٍ مطوَّل في كل موقف.
يُعد الهابيتوس جسراً نظرياً حاول بورديو من خلاله التوفيق بين الثنائية الكلاسيكية في علم الاجتماع: بين حتمية البنية الاجتماعية وقدرة الفرد على الفعل والاختيار (الحرية - الحتمية). فالهابيتوس ليس محدِّدًا حتميًا للسلوك، ولكنه نظام من الاستعدادات القابلة للتطبيق في مواقف جديدة، مما يمنح الممارسات الاجتماعية انتظامًا دون أن تكون محكومة بقواعد صارمة.
ولهذا المفهوم وبحسب العالم (بيير بورديو) خصائص أساسية، وهي كالتالي:
- مُستَدَام وطويل الأمد.. حيث يتشكل باكرًا عبر التنشئة (خاصة في الطفولة) ويبقى مؤثرًا على مدى حياة الفرد، وإن كان قابلاً للتعديل.
- قابل للنقل بين المجالات.. بمعنى يمكن تطبيق الاستعدادات المكتسبة في مجال حياتي واحد (مثل الأسرة) وعلى مجالات أخرى (مثل المدرسة أو العمل).
- لا واعي في الغالب.. أي أنه يعمل كخلفية تلقائية تُنتِج الممارسات دون حساب واعٍ لكل خطوة.
- من خصائصه أنه ليس فكرة مجردة فقط، بل ينعكس على شكل الجسد مثل طريقة المشي، الجلوس، اللكنة، تعابير الوجه، والعلاقة مع الحيز المكاني.
وبالطبع لا يمكن فهم (الهابيتوس) بمعزل عن «المفاهيم الأخرى».. التي صاغها بورديو، والتي تشكّل معًا نسيج نظريته الاجتماعية في علم الاجتماع الحديث ومن أبرزها:
- الحقل: وهو الفضاء الاجتماعي المؤسسي الذي تدور فيه الصراعات (مثل حقل التعليم، حقل الفن، حقل السياسة). كل حقل له قواعده الخاصة ورأس ماله المميز. يدخل الأفراد إلى هذه الحقول بهابيتوس معين، ويفوز في الصراع داخلها من يستطيع توظيف هابيتوسه ورأس ماله بشكل أمثل..!
- رأس المال.. يتجاوز بورديو المفهوم المادي (المال) ليشمل رأس المال الثقافي (المعرفة، الذوق، المؤهلات)، رأس المال الاجتماعي (شبكة العلاقات)، ورأس المال الرمزي (الوجاهة، الاعتبار). تتحول هذه الأنواع من رأس المال بعضها إلى بعض، وتُورَّث عبر الأجيال. وبالطبع يلعب الهابيتوس دور الوسيط في عملية الاكتساب والاستخدام غير الواعي لهذه الرؤوس المال.
- العنف الرمزي ..هو عملية فرض نظم التصنيف والتمييز الخاصة بطبقة مهيمنة على الطبقات الأخرى، بحيث تبدو شرعية وطبيعية حتى لدى أولئك الذين يخضعون لها. الهابيتوس هو الآلية التي من خلالها يستبطن الضحايا هذا العنف ويقبلون به كأمر مسلم به.
ويمكن في هذا السياق عرض بعض الأمثلة المعاصرة على (الهابيتوس) وتجلياته في الممارسة الاجتماعية.. ففي مجال التعليم والمسار الوظيفي تنتقل (العادات الذهنية) نحو التعلم منذ الطفولة.
قد يتعلم الطفل في بيئة أكاديمية.. الهابيتوس المناسب للنجاح الدراسي (كيفية التحضير للامتحان، كيفية التحدث مع الأساتذة، قيمة المعرفة)، بينما قد يركز طفل من بيئة أخرى على مهارات عملية أو قصيرة المدى.. يؤدي هذا إلى «إقصاء ذاتي»، حيث يمتنع أبناء الطبقات الشعبية عن التقدم إلى كليات النخبة أو مهن معينة ليس بسبب قانون يمنعهم، بل لأن (هابيتوسهم )يجعلهم يشعرون بأن «هذا المكان ليس لهم «. تُعيد هذه العملية إنتاج التراتب الاجتماعي. وأيضاً لو استعرضنا هذا المفهوم في مجال الذوق والاستهلاك الثقافي.. فالعالم بورديو يرى أن «الذوق ليس فطريًا» ، بل هو مؤشر اجتماعي عميق. الهابيتوس يوجّه تفضيلاتنا الفنية والغذائية والترفيهية.
وأيضاً من الأمثلة .. وفي مجال الخطاب الرقمي يمكن ملاحظة ذلك في «الفجوة الرقمية المعرفية».. حيث لا تقتصر الفجوة على إمكانية الوصول إلى التكنولوجيا، بل تتعداها إلى «الهابيتوس الرقمي».. أي معرفة كيفية البحث بالمصادر الأكاديمية عبر الإنترنت، كيفية التمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، أو كيفية بناء شبكة مهنية على منصة مثل «لينكد إن». هذه المعرفة المتجسدة غالبًا ما تُكتسب في البيئات الاجتماعية المثقفة.
ورغم أن مفهوم الهابيتوس (لبيير بورديو) تعرض لانتقادات إلا إنه شكل حجر زاوية في التحليل الاجتماعي في علم الاجتماع الحديث.. ومن أبرز هذه الانتقادات اتهامه بـالحتمية والإفراط في التركيز على إعادة الإنتاج الاجتماعي على حساب قدرة الأفراد على المقاومة والتغيير. كما أن صعوبة قياسه تجريبياً تضعفه أمام النقد العلمي.
ومع ذلك، تبقى قوة الهابيتوس في قدرته على كشف الآليات الخفية التي تُعيد إنتاج التفاوت. وكما يرى العالم والمفكر الشهير «بورديو».. أن الوعي النقدي بهذه الآليات، عبر ما سماه «علم اجتماع انعكاسي»، هو خطوة أولى نحو التحرر منها. فالهابيتوس، رغم ثباته النسبي، قابل للتعديل في ظل تجارب قوية أو أزمات كبيرة.
لا يقدم مفهوم الهابيتوس.. تفسيراً للسلوك الفردي فحسب، بل «أداة تحليلية قوية» لفهم استمرارية البُنى الاجتماعية والثقافية عبر الزمن. من خلال الربط بين البنية الاجتماعية (الحقل، رأس المال) والبنية الذهنية - الجسدية للفرد (الهابيتوس)، ويمكن القول إن قوة الهابيتوس تمكن في كونه «أداة للتفكير» أكثر من كونه نظرية مغلقة.. رغم صعوبة اختزاله إلى مسارات تجريبية إلا أنه يظل إطاراً لا غنى عنه لفهم كيف تستبطن القواعد الاجتماعية وتمُارس تلقائياً.