أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
استدعتنا مناقشة صنْعة (أبي تمَّام) الشِّعريَّة، في المساق السابق، إلى التطرُّق إلى الذَّكاء الاصطناعي. إذ قال صديقي اللَّدود (ذو القُروح):
ـ ثمَّة اليوم مبالغات فجَّة في الإيمان بالذَّكاء الاصطناعي، كذلك الذي حدثَ في بدايات نشوء الحاسب الآلي في القرن العشرين، أيَّام كان يُطلَق عليه «العقل الاصطناعي». ومَن كان من جيلي أو ما قبله يذكُر هذا الاصطلاح الشَّعبي.
ـ وهل ما زال أحدٌ من جيلك، يا (ذا القُروح)؟!
ـ نعم، ولكلِّ زمانٍ دولةٌ وقُروح! وأقول: بل بلغتْ الثِّقة بالذَّكاء الاصطناعي إلى ادِّعاء أنَّ بإمكانه أن يَنْظِم شِعرًا! وقد استمعتُ إلى نماذج مضحكة من هذا الشِّعر الاصطناعي، الذي لا يَمُتُّ لفَنِّ الشِّعر بصِلة، سِوَى على نحوٍ شكليٍّ ركيك.
ـ بل إنَّ من مهوَّسي هذا الذي يُسَمَّى ذكاءً أن تراهم بغباءٍ غير اصطناعي يوشكون أن يصوِّروا الإنسان إلهًا، وها هو ذا قد خلقَ كائنًا، هو للمفارقة أشدُّ من خالقه ذكاءً وإبداعًا!
ـ هذه هرطقة جديدة، أو قل: تبدو ديانةً جديدة، يروِّج لها المروِّجون، بوعيٍ أو بغير وعي. وهي في كلتا الحالتين تنبثق عن غرور الإنسان المعاصر، الذي يذكِّرنا بغرور فرعون أو قارون أو النَّمرود!
ـ ولكلِّ زمانٍ أيضًا فرعونه وقارونه ونَمروده!
ـ إنَّ ما يُدعَى الذَّكاء الاصطناعي لا يعدو بحالٍ من الأحوال، ولن يعدو، برنامجًا، برمجه الإنسان لتكون الآلة قادرةً على جمع المعلومات ومعالجتها بسرعة فائقة، وَفق البرمجة البَشَريَّة المزوَّد بها؛ كي يكون عَونًا للإنسان، لا بديلًا عنه، ولا معطِّلًا لمَلَكاته الذِّهنيَّة وحواسِّه النَّقديَّة.
ـ وبالطبع الآلة- في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ومن كلِّ نوع- أقوى من الإنسان، دفعًا وحركة وسرعة، لكنَّها تظلُّ قاصرةً عن الإنسان، لغةً وخيالًا وإبداعًا.
ـ ومن هنا فإنَّ مصطلح «ذَكاء» لا يعني الفِطنة، أو التفكير، ولا الاستنباط، ولا الإبداع، ولا إرادة اتِّخاذ القرار، بمقدار ما يعني سرعة جمع المعلومات المعطاة ومعالجتها بطريقة رياضيَّة. ولعلَّه يأتي اليوم الذي يتراجع الإنسان عن تسميته «الذَّكاء الاصطناعي»، كما تراجع عن تسمية الحاسوب بـ«العقل الاصطناعي».
ـ بِمَ يُسمَّى؟
ـ يمكن أن يُسمَّى، مثلًا: «محلِّل المعلومات»؛ لأنَّ عمله البحث عن المعلومات وجمعها، وتحليلها، وتفعيلها، لا أكثر. الإشكال الأكبر هنا أنَّ ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي هو أداة فساد معرفي الآن، فضلًا عن الفساد الأخلاقي والحقوقي، وناهيك به من فساد!
ـ وهو لذلك أداة تضليل، ونشرٍ للأكاذيب، والمعلومات الزائفة.
ـ على أنَّك تراه يُقدِّم ذلك كلَّه بثقةٍ مطلَقة، تنبثق عن ثقة مبرمج الآلة، وعقله الهمجي، وغير العِلمي. ثمَّ تأتي ثالثة الأثافي من المتلقِّي الفاغر الفارغ، ولاسيما في عالمنا الثالث أو الرابع، الذي لديه استعداد فطري وثقافي لتصديق ما يأتيه من خزعبلات، كلَّما في الأمر أنها أصبحت تغمره الأضاليل الآن بوساطة هذا الذَّكاء الاصطناعي، بعد غياب ذكائه الطبيعي أو تغييبه. لذا لا غربة أن تدهش من استشهاد بعضهم بالذَّكاء الاصطناعي. بل صار من الناس من يحتجُّ عليك بالذَّكاء الاصطناعي، ويستفتيه في النوازل، الخاصَّة أو العامَّة، ويقدِّم إليك ما أفاده به على أنَّه النموذج الأرقَى للعِلم والمعرفة، سواء ما كان من عالم الشهادة أو حتى من عالم الغيب. والسؤال: أين الجهات الثقافيَّة أو العِلميَّة أو الحقوقيَّة في العالم عن مهزلة الذَّكاء الاصطناعي، الكامنة فيه من جهة، أو الكامنة في مستثمريه من جهةٍ أخرى، من أشرار البشر وسفائهم.. وهمُ كُثْر؟! خذ مثالًا على ذلك.
ـ هات!
ـ في مقالنا السابق تحت عنوان «من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا»، المنشور في صحيفة «الجزيرة»، الجمعة/السبت 28 نوفمبر 2025، تَجِد الذَّكاء الاصطناعي قد عرَّف بهذا المقال على موقع (قوقل)، هكذا:
««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة أو كتاب للدكتور عبدالله الفيفي، يشير إلى مسار نظري من المانوية اللغوية إلى دراسة السيميولوجيا، وهي دراسة العلامات ودلالاتها. يبدو أن المقال يناقش تحولًا في النظرة إلى اللغة من منظور يعتمد على بعض مفاهيم (ماني)، نحو دراسة أعمق للغة كعلامة لها [معانيٍ] ثقافية واجتماعية. المانوية اللغوية: يشير مصطلح «المانوية اللغوية» إلى منهج أو مفهوم يعتمد على أفكار متعلقة باللغة، وقد يكون مرتبطًا باللغة من حيث نشأتها وعلاقتها بالمعنى في إطار «المفاهيم المانوية». يُظهر المقال أن الأستاذ الفيفي يناقش فيه «مزاعم صاحب كتاب «الصاحبي في فقه اللغة»» فيما يتعلق باللغة، ويبدو أنه يربطها بالمانوية. السيميولوجيا: هي علم العلامات، وهو العلم الذي يدرس أنظمة العلامات ودلالاتها الثقافية والاجتماعية. تُعدّ السيميولوجيا مجالًا أوسع من مجرد دراسة اللغة، فهي تشمل جميع أنواع العلامات الرمزية التي تُستخدم لتوصيل المعنى. الانتقال النظري: المقال يشير إلى انتقال من منهج تحليلي للغة يعتمد على مفهوم معين (المانوية اللغوية) إلى مجال أوسع وأكثر شمولًا وهو علم السيميولوجيا الذي يدرس اللغة والعلامات الأخرى».
وفي هذا تجميعٌ مضطربٌ للمعلومات، وفهمٌ خاطئٌ للمحتوى، في نصٍّ حافل بالأخطاء اللُّغويَّة، والأغلاط المعرفيَّة. حيث يُستهلُّ التعريف بخطأ أسلوبي في عبارة ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة...». فواضح أنَّ الذَّكاء هنا يعتمد على برمجةٍ لغويَّةٍ إنجليزيَّة، يكون الربط فيها بين المبتدأ والخبر بفعلٍ مساعد، استُعمل مقابله هنا الضمير (هو)، على حين لا تحتاج العَرَبيَّة إلى هذا؛ فكان الصواب: ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» عنوان...». كما أن الإضافة جاءت بطريقة إنجليزيَّة لا عَرَبيَّة: «عنوان لمقالة»، ولا نحتاج في العَرَبيَّة للربط بين المضاف والمضاف إليه بأداة، بل نقول «عنوان مقالة».
ـ ليس الذَّكاء الاصطناعي وحده من يفعل هذا، بل معظم العَرَب يفعلون هذا اليوم في كتاباتهم!
ـ صحيح، لكن هؤلاء هم العَرَب الإنجليز أو الإنجليز العَرَب!
ـ ومن خلال هذا تلحظ خاصيَّة العَرَبيَّة في الإيجاز، وتخطِّي حشوًا من الكلمات لا يضيف معنًى، كما في عبارة «...هو عنوان لمقالة»، التي تغني عنها «...عنوان مقالة».
ـ نعم، لكن هذا مبحثٌ آخر يطول. غير أنك تلحظ إلى هذا زعمه أنَّ هذا عنوان «مقالة أو كتاب»!
ـ وربما جاء قارئ واعتمد على هذه «السَّلَطَة» الذَّكائيَّة الاصطناعيَّة الفاسدة، فظنَّها عِلمًا ومعرفة، فبنَى عليها ما لا أصل له! بل ربما نسبَها إلى الكاتب، وفي هذا تضليل معرفي، مع انتهاكٍ للحقوق الفكريَّة، بعد تشويه مادتها.
ـ ثمَّ ستجد بعد يومٍ تقريبًا صياغةً أخرى للتعريف بالمقال على الموقع نفسه، لعلَّها أسوأ حالًا من سابقتها، تمضي هكذا: ««من المانويَّة اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان مقالة فكرية حديثة للأكاديمي عبدالله بن أحمد الفيفي. يناقش المقال انتقال النظرة إلى اللغة من [المفهوم «المانوي» التقليدي] إلى الفهم السيميولوجي الحديث... المانوية اللغوية: هي مصطلح ابتكره الكاتب للإشارة إلى النظرة الثنائية القديمة للغة، والتي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفية (أي أن اللغة موحاة من الله) والاعتباطية (أي أن العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتباطية/اصطلاحية بحتة). هذه النظرة الثنائية (المانوية نسبة إلى الديانة المانوية القائمة على الثنائية) كانت سائدة في التراث اللغوي العربي القديم، كما ناقشها علماء مثل ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة«...». وهنا أصبحت الإشارة إلى المانويَّة إشارةً إلى مفهومٍ لغويٍّ تقليدي! وهي تمثِّل النظرة الثنائيَّة القديمة للُّغة، التي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفيَّة والاعتباطيَّة. وهذه النظرة الثنائيَّة كانت سائدة في التراث اللُّغوي العَرَبي القديم، ناقشها علماء مثل (ابن فارس). وهذا خلطٌ عجيبٌ ينمُّ عن «جنون اصطناعي»، ينطبق عليه البيت المنسوب إلى (الشافعي الإمام):
جُنونُكَ مَجنونٌ ولَستَ بِواجِدٍ
طَبيبًا يُداوي مِن جُنونِ جُنونِ!
وإنَّما ذكرنا في ذلك المقال أنَّ قول (ابن فارس) بالتوقيفيَّة اللُّغويَّة كأنَّما يعود إلى اعتقادٍ دِينيٍّ فارسيٍّ. ذلك أنَّ العقيدة الفارسيَّة المانويَّة كانت ترى أنَّ الإنسان هو ابنٌ حنونٌ للخالق، من منطلَق الثالوث المانويِّ المقدَّس: الأب، وأُمُّ الحياة، وابنهما، أي الإنسان. ومن ثمَّ فلا حاجة للإنسان إلى أن يتعلَّم أو يتطوَّر، فكلُّ ما لديه توقيفيٌّ لَدُنِّيٌّ، منذ بدء الخلق. ولو كان هذا الذَّكاء الاصطناعي يقرأ ويفهم، كأقل الناس درجةً في مهارات القراءات والفهم، ما ذهب إلى ما ذهب إليه من هَرْف؛ لأنَّ المقال نفسه يشرح المقصود بالمانويَّة؛ وأنها عقيدة دِينيَّة فارسيَّة، ربما كان (ابن فارس) متأثِّرًا بها.
ـ كفانا الله، إذن، شرور الذَّكاء الاصطناعي، وما سينجم عنه في قابل الأعوام من توقيفيَّات عن التعلُّم والتطوُّر، وعن القراءة والتحليل، والتفكير والفهم!
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)