عبدالله العولقي
شاعرُنا اليوم هو أبو السرى، عبدالله بن عبيد الله بن أحمد من بني عامر بن تيم بن مبشر بن أكلب، فهو من قبيلة أكلب الخثعمية، القبيلة الشهيرة ماضياً وحاضراً، فهو يقول:
وخثعم قومي ما منْ معشرٍ
أعمّ ندىً منهم وأنجى لخائف
ويقول في (بيشة):
لولا رجاؤك لم أسر من بيشة
عرض العراق بفتيةٍ ورواحلِ
نُسب إلى أمّه الدمينة السلوليّة، وعدّه بعض المؤرخين منْ صعاليك العرب، ويُكنّي (أبو السرى) لكثرةِ أسفاره ليلاً وسراه فيه، وقيل كُنّي بذلك لقوله:ِ
وأنتِ التي كلّفتني دلج السرى
جون القطا بالجلهتين جُثومُ
وهو من الشعراءِ الفصحاء الذين يُستشهدُ بشعرهم لفصاحته وعذوبته، وهو من الشعراءِ الذين تورّطوا في متاهاتِ الحب، ووقعوا في فخِّ العشق، فهامَ بامرأةٍ جميلةٍ من قومه تُدعى (أُميمة)، وقدْ قال فيها من الشعر ما يهيج الفؤاد ويُدمي القلب، وفيها يقول:
أقضي نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعني والهمُّ بالليلِ جامعُ
لكنّه رغم كل هذا العشق والولع لمْ يتزوّجها، ربّما لعادةِ العربِ في عدْمِ تزويجِ مَنْ يشتهرُ أمْر عشقهِ بين الناس، فتزوّجَ امرأةً لمْ تكنْ على قدرٍ من الأخلاق، فلمْ تحفظْ غيابه عنْها، ولمْ تصنْه في بُعْده عنْها، فكانت مثالاً للغدرِ والخيانة، فكيف كانت مشاعرُ ابن الدمينة حينها؟، لا شكّ إنّه إحساسٌ أليمٌ في صدْرِ الرجل الغيور الأبيِّ الذي يتبادرُ إلى ذهْنِه وسمعِه خيانة زوجته له!، كلّما حاولَ أنْ يُكذّبَ الأمر في ذاته المُثْقلة بالأسى والحُزْن تأتيه الأخبارُ منْ هنا وهناك لتؤكّدَ حادثة الخيانة، حاولَ الشاعرُ الحسّاسُ بكلِّ ما أُوتيَ منْ أدواتِ الثقة أنْ يمنعَ عنْه ذلك الإحساسِ الذي يصدقه حديث الناسِ حول الواقعةِ إلى أنْ وقعتْ الفاجعة، وحدثت الكارثة، أو المصيبة التي لا بدّ للشاعرِ منْ مواجهتها، وهي قصيدةٌ أنشدَها الشاعرُ مزاحم بن عمرو وبلغتْ أبياتُها أذنَ ابن الدمينة، فتأذّى ابنُ الدمينة منْ هذا القذفِ الرديء في عرْضه، وتأثّر تأثراً بليغاً منْ ذلك وهو الشاعرُ الرقيقُ الحسّاس، لقدْ ظلّتْ هذه الأبيات تحقنُ روحَ ابن الدمينة بالغضب، وبقيتْ تغْلي في مرجلِه طيلة نهاره، وتُعكّر عليه صفو مزاجه في ليله حتّى قرّر أخيراً أنْ يقتلَ مزاحم بن عمرو، وهنا انتقلتْ مُهمّة القرارِ عنده منْ عضو العقلِ الذي كان يُكذّبُ الواقعة ويتجاهلها إلى عضوِ القلبِ الذي امتلأ غيْظاً وكمداً، فعيونُ الناسِ ترْمُقه هنا وهناك بالحسرةِ على موقفه!، وهنا قرّر ابنُ الدمينة الانتقام ولا شيءَ غير الانتقام، فأجبرَ زوجتَه أنْ تواعدَ الشاعرَ مزاحم بن عمرو، فاتّفقَ معَ أصدقائه أنْ يصنعوا له كميناً، وبالفعلِ وقعَ مزاحم بن عمرو في الفخ، فانهالَ عليه ابنُ الدمينة ومعه رفاقه بالضربِ والطعنِ حتّى أردوه قتيلاً!!، وهنا استراحَ الشاعرُ الثائرُ من الهمِّ الذي سيطرَ على جوانحِه أيّاماً وشهوراً، لقدْ هدّأتْ نفسُه المضطربةُ منْ منظرِ الدّماء المتساقطة حوله منْ كلِّ حدبٍ وصوب، لقدْ كانَ الانتقامُ شرساً جِدّاً منْ لدنِ ابن الدمينة، ولكنّ نفسَه لمْ تهدأ في هذهِ اللحظة، ولمْ تعدْ روحُه العليلة إلى ثكناتها الطبيعيّة، بلْ ما زالَ الدم يغلي في شرايينه تجاه زوجته، فتقول الرواياتُ إنّه هجمَ عليها مباشرةً بعدَ مقتلِ مزاحم وخنقها حتّى ماتت!!، وفي هذه اللحظة هدأتْ روحُ الشاعرِ المضطربة، وما هي إلا لحظاتٌ قليلة حتّى رجعتْ دقاتُ قلبه إلى الخقان مرةً أخرى، وشرعَ القلقُ والاضطرابُ يساورهُ منْ جديد، فما عساهُ أنْ يفعلَ أمام الثأر الذي ينتظره، فهو يعيشُ في بيئةٍ بدويّةٍ لا تتنازلُ عنْ حقّها في الدم، وهذا ما حصلَ بالفعلْ، لقدْ بدأ مصعبُ بن عمرو (شقيق مزاحم) يترصّدُ لابن الدمينة ويترقب خطواته، وما أنْ عَلِمَ الشاعرُ بذلك حتّى بدأ يُفكّرُ بالهرب، لكنْ إلى أين؟!، حتماً إلى المجهول!، فقدْ ظلّ ابنُ الدمينة يسيرُ تائهاً بين المضارب والفيافي متخفياً وخائفاً، فالموتُ يتربّصُ به في كلِّ مكان!، والقلقُ يعْتري نفسه المثقلة بالحيرة والقلق!.
هذه الحالةُ النفسيّة الصعبة تأتي منْ تحوّلِ الشخصيّةِ منْ أقصى حالات الرومانسيّة الشاعرة إلى أقصى حالاتِ الغضبِ والقسوة والانتقام، عندما تتلاشى حصونُ الثقةِ بسرعة الغمض لتتبدّلَ بألسنةِ الغدرِ والخيانة، وهذا ما حصلَ مع شاعرِنا المبدعِ ابن الدمينة الذي أودعَ في تراثنا العربي باقةً مميّزةً من القصائد الوجدانيّة الجميلة التي تُعبّر عنْ إحساسِ الشاعرِ العربي في ذلك الوقت، ولعلّ قصيدته الشهيرة التي يقول في مطلعها:
ألا يَا صَبَا نَجْدٍ متى هِجَتَ منْ نجْدٍ
لقدْ زادني مسْراكَ وجْداً على وجْدِ
تبثُّ لواعجَ الفنّان الحسّاس المبدع عند المتلقّي بصورٍ متعددة، هذه الصور التي حوّلت هذه القصيدة البديعة إلى مادةٍ غنائيّةٍ ثريّةٍ متعددةِ النغمِ والألحانِ منذ بداياتِ العصرِ العبّاسي وحتّى اليوم، فهي مادة غنائيّة خصبة بمعانيها الوجدانيّة التي ترتبطُ ببراءةِ حالةِ العشقِ الفطريِّ البعيدِ عنْ مُلوّثات الحياةِ العصريّة، أوْ بالغريزةِ الحقيقيّة للعاشقِ العذريّ ونظرته البريئة لجمالِ الأنثى وحُسْنِ تكوينها الحِسّي والجسدي، فهذه القصيدة الرائعة مرتبطة بتشكل وجدان الإنسان على الرغم أنّها من بحر الطويل!، فهي قصيدةٌ فخمةٌ وفاخرة وزناً ولفظاً ومعنىً وأسلوباً، ولهذا نجدُ أنّ شاعريّة ابن الدمينة وعبقريّته الفنية قدْ صعدتْ به من خلالِ هذه القصيدة إلى مصافِّ الشعراء الكبار، فيبتدؤها الشاعرُ باستدعاءِ حاسّة الشمِّ لصبا نجد، وهي الريحُ الطيّبة التي تهبُّ من الشرق وتبعثُ في النفس السكينة والطمأنينة، فهي ريحٌ منعشةٌ رطبةٌ تحتاجها نفس العاشق القلقة لتهدئ من اضطرابها وقلقها، ولذا نجدُ أنّ كثيراً من الشعراء يستدعون هذا المعنى الثقافي في مثل هذه المواطن النفسيّة:
ألا يا صبا نجْدٍ متى هِجْتَ منْ نِجْدٍ
لقدْ زادني مسراكِ وجْداً على وجْدِ
فهو هنا يقول كان الأحرى بهذه الريح العليلة أنْ تُهدّئ نفسي العاشقة، لكنّ الذي حدث العكس!، فقدْ زادتني شوقاً إلى محبوبتي أُميمة، فهو هنا يُرْسلُ رسالةً إلى حبيبته بأنّ عشقه لها ليسَ له دواء، وهنا نعودُ إلى خبرة الشاعر التراكميّة بروعةِ الابتداء عندما يستعملُ حرف التنبيه والاستفتاح (ألا) ثمّ يعقبه مباشرةً بحرف النداء (يا) ليشدَّ الأسماعَ إلى خطابه، وقدْ تفوّقَ ابنُ الدمينة في إعطاء هذه القصيدة بُعْداً جماليّاً جعلَ غيره من الشعراء يحسدونه عليها وينسبونها لهم، فقد رُويت في بعض كتب التراث أنها ليزيد بن الطثريّة، ورويت أنها لقيس بن الملوّح، ورويت أيضاً لجميل بثينة، كما نسبوها للقحيف العقيلي وكذلك لابْن ذريح، فهنا نجدُ العديدَ من الروايات القديمة التي تمنحُ حقوقَ الملكيّة لكلِّ هؤلاء الشعراء، لكنّ الحقيقة التي ليس عليها غبار عند المحققين الثقاة أنّ هذه الرائعة منْ إبداع الشاعر الكبير عبدالله بن الدمينة، هكذا يقولُ المحقّقون الروّاد للشعر العربي، فنسبتها له هي الرواية الأقوى بين تلك الروايات الزائفة، وقدْ أكّد ذلك المرزوقي في شرحه لديوان الحماسة، وقدْ أخذت شهرتها الطاغية في حياة ابن الدمينة وبُعيد وفاته، فهذا العبّاس بن الأحنف وهو الشاعرُ الرقيقُ الحسّاسُ يطْربُ لها بصورةٍ مبالغةٍ عندما سمعها أوّلَ مرةٍ وأطربته طرباً رفيعاً، فذهبَ إلى اسحاق بن اسماعيل وأنشده إيّاها، وما أن انتهى منها حتّى ترنّح لفترةٍ من الزمن، ثمّ قال لإسماعيل: هلْ اضرب هذا العمود برأسي منْ حُسْنِ هذا الكلام؟، فقال له اسحاق: بلْ ترفّق بنفسك!، فهذه الرواية تؤكّدُ علوّ كعبِ القصيدة لكونها جعلتْ شاعراً رقيقاً وكبيراً مثل العبّاس بن الأحنف المولود سنة 132هـ، (بعدَ عامين منْ وفاةِ ابن الدمينة) يُعجَبُ بالقصيدة كلّ هذا الإعجاب!!.
تأتي روعةُ القصيدةِ وجمالها الفنّي في قدرة الشاعر على توظيف الحواس وأعضائها داخل أبياتها بحيث أنّها تُذكّره شوقَه وحنينه إلى محبوبته، ففي البيت الأول نجد أنّ حاسة الأنف التي شمّت ريحَ صبا نجد قدْ هيّجت ذكراه لمحْبوبته، ونجده في البيت الثاني يُوظِّفُ حاسّة السّمع عندما تسمعُ أذناه أنينَ الحمامة الورقاء على الغصن فتُذكّرَه حنينه وذكريات عشقه:
أإنْ هتَفَتْ ورقاءُ في روْنقِ الضحَى
على فنَنٍ غضِّ النباتِ من الرّنْدِ
فهو في البيتين الأوْلَين يُوظّفُ الجملة الشرطية بروعة العالم بأثرِ اللغة على المتلقّي، لينتقلَ بعدها إلى جوابِ الشرط عنْ طريق عضو العين التي تبكي عندما تشمُّ ريحَ صبا نجدٍ أو تسمعُ أنينَ الحمامة، فتبكي بكاءَ الطفل الصغير في مشهدٍ بريءٍ يُعِيدُنا إلى صورةِ الإنسانِ الحقيقيِّ وبراءته الأولى عندما يتخلّى عنْ جلادة الذكورة:
بكيتَ كما يبْكي الوليدُ ولمْ تكنْ
جليْداً، وأبديتَ الذي لمْ تكنْ تُبْدي
فهذه الأبياتُ الثلاثة الأولى أجملَ ما في القصيدة، وهي منْ روائع الاستهلال في القصائد العربية عامّة، فقدْ أبدعَ ابنُ الدمينة بخبرته التراكميّة الشعريّة في توظيف حواسّه الطبيعيّة لتُظْهِرَ مدى صدقِ شعورهِ بالحبِّ العُذري، ومدى نقاء عاطفته في العشق، ولهذا نجدُ قوّة الصدى الفني الذي أحدثته هذه القصيدة في نفس المتلقّي منذ قراءةِ وبهْجةِ العبّاس بن الأحنف بها وحتّى الآن، وهذا هو الإبداع الشعري دائماً عندما يُكْتبُ له الخلودُ الزمني في الذاكرة الثقافيّة!.
لينتقلَ بعدها الشاعرُ من الداخل إلى الخارج، منْ حواسّه ومشاعره إلى الآخر أو المجتمع الذي يقولُ زاعماً بأنّ العاشقَ إذا اقتربَ من محبوبه يُمّلُّ، وبالتالي فإنّ البُعْدَ عنْه يُشْفِي من وجعِ الوجْدِ والاشتياق:
وقدْ زعموا أنّ المُحِبَّ إذا دنا
يُملُّ وأنّ النأيَ يُشْفي من الوجْدِ
ليُعْطي بعدها رأيه الشخصيِّ حولَ هذا الرأي المجتمعي بأنّه خاطئٌ تماماً، فقد جرّبَ البُعْدَ عن المحبوب تارةً، وجرّب القُرْب منه تارةً أخرى، وعلى الرغم منْ كلِّ ذلك!، فلمْ يشفَ منْ مرضِ الحبِّ وضناه في كلتا الحالتين، فعلى الأقل سيكونُ القربُ منه وإمتاع البصر بالنظر إلى الحبيبة أهْون:
بكلٍّ تداوينا فلمْ يُشْفِ ما بِنا
على أنَّ قُرْبَ الدارِ خيرٌ من البُعْدِ
إلى آخر أبيات القصيدةِ التي منْ روعتها وبهائها زيدت عليها أبيات ليست منها، كما نسبها آخرون لغير ابن الدمينة، وشكّك بعضُهم في نسبتها للشاعر، وهذه ظاهرة ثقافيّة عامة عندما يصلُ الإبداع إلى مستوى فائق الروعة يتم التنازع حول هذه القيمة الفنية، لكنْ تبقى الأصالة والجودة هي المعيار الفني، وهذه الأصالة نجدها هنا عند الشاعر الكبير عبدالله ابن الدمينة، ولا أحدَ غيره!!.