إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
في خضم التحولات الكبرى التي تعيد رسم ملامح العاصمة، لم تعد الرياض مجرد حاضرة عمرانية تتسابق فيها الأبنية نحو السماء، بل غدت ورشة ثقافية كبرى، تعيد صياغة هويتها البصرية والروحية عبر بوابة الفنون. ويقف برنامج «الرياض آرت» في طليعة هذا الحراك، بوصفه أحد أضخم مشاريع الفن العام في العالم، والمحرك الرئيس لتحويل المدينة إلى معرض فني مفتوح بلا أسقف أو جدران.
تنطلق فلسفة البرنامج من رؤية عميقة تتجاوز التجميل العابر، لتجعل من الفن ممارسة يومية وجزءاً أصيلاً من حياة السكان والزوار، عبر نشر أكثر من 1000 عمل فني في الساحات والحدائق ومحطات التنقل، مؤسسةً بذلك لبيئة إبداعية محفزة وحيوية.
وتحت مظلة هذا الطموح، بزغت مشاريع نوعية أصبحت علامات فارقة في المشهد الثقافي الإقليمي؛ فمن «ملتقى طويق للنحت» الذي يجمع سنوياً نخبة نحاتي العالم ليحاوروا الصخر ويتركوا أثراً خالداً في ذاكرة المدينة، إلى «نور الرياض»، الكرنفال العالمي الذي يُحيل ليل العاصمة إلى لوحات ضوئية مدهشة، جامعاً بين الإبهار البصري والعمق الفني. واليوم، يواصل «الرياض آرت» رحلته في تمكين الإبداع وخلق مساحات للحوار الحضاري عبر مشروع جديد يرسخ مكانة الرياض كمنارة ثقافية.
«لا فابريك/ المصنع».. ولادة المختبر الحي
في مساء الأربعاء 21 يناير 2026، كان حي «جاكس» الإبداعي بالدرعية، الذي نفض غبار الصناعة ليرتدي حلة الفنون، على موعد مع تدشين مشروع «لا فابريك/ المصنع». هذا المشروع الذي أطلقه برنامج الرياض آرت بالشراكة مع المعهد الفرنسي، ويستمر حتى 14 فبراير، لم يأتِ ليكون مجرد قاعة عرض تقليدية، بل جاء بوصفه مختبراً إبداعياً حياً ومساحة للتجريب، تذوب فيها المسافات بين الفنان والمتلقي.
رحلة الحواس.. هندسة التجربة
ما إن يخطو الزائر عتبة «المصنع»، حتى يجد نفسه منخرطاً في رحلة مدروسة بعناية، حيث قُسّمت مناطق المعرض بذكاء هندسي وفني يجعل الزائر ينتقل من شعور إلى آخر في انسيابية مذهلة. صُمم المسار ليجعل الجمهور يمر بتجارب شعورية متباينة؛ تبدأ بمناطق الاستكشاف البصري الهادئة، مروراً بمساحات التفاعل الحسي التي تتطلب المشاركة، وصولاً إلى فضاءات الحوار المفتوح. هذا التقسيم يضمن أن يعيش الزائر تجربة لا تبارح الذاكرة، وكأنه يقرأ فصول رواية بصرية متصاعدة الأحداث.
بين الأصالة السعودية والرؤية الفرنسية
لعل أكثر ما يمنح هذا الحدث تفرده الاستثنائي هو تلك «الكيمياء الفنية» التي نتجت عن تلاقي الرؤى الإبداعية بين الفنانين السعوديين ونظرائهم الفرنسيين؛ حيث تحولت قاعات العرض إلى مساحة حوار بصري عابر للحدود، يذوب فيها الفارق الجغرافي لصالح لغة الفن الموحدة.
تتجلى في أروقة المعرض أعمالٌ فنية بليغة، تنهل من عمق الإرث السعودي وذاكرة المكان، لتعيد تقديمه بروحٍ معاصرة تحاكي وجدان الجيل الجديد، دون أن تفقد صلتها بالجذور والأصالة. هذه الأعمال لا تقف وحيدة، بل تتشابك في جدلية مدهشة مع أحدث التيارات الفنية الفرنسية والعالمية التي توظف التقنية وسيطاً للتعبير. وفي هذا المزيج المتناغم، تبرز الأعمال التفاعلية التي تعتمد على التكنولوجيا الرقمية والوسائط المتعددة، لتكسر حاجز الصمت بين العمل والمتلقي. هنا، لا تكتمل اللوحة أو المجسم إلا بحضور الجمهور؛ فالأضواء تتموج مع حركة الزوار، والأصوات تتشكل صدىً لتفاعلاتهم، ليتحول الزائر من مجرد متفرج، إلى شريك فاعل يساهم في تشكيل المشهد الفني لحظة بلحظة.
كما يخصص المشروع مساحة مميزة لمعرض الصور الفوتوغرافية، حيث تتجاور العدسات لتوثيق اللحظات الهاربة، وتجميد الزمن في إطارات تروي قصصاً بصرية مكثفة عن المكان والإنسان، وتبرز جماليات التلاقي الثقافي.
لا يمكن قراءة «لا فابريك/ المصنع» بمعزل عن السياق الدبلوماسي والثقافي الأوسع بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الفرنسية. وفي هذا السياق، أكد سعادة سفير الجمهورية الفرنسية لدى المملكة أن «لا فابريك/ المصنع» يجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، موضحًا أن جمع الفنانين السعوديين والفرنسيين في فضاء إبداعي مشترك يفتح آفاقًا واسعة لتبادل الخبرات، وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية بين الرياض وباريس، وتؤكد دور الفن بوصفه لغة عالمية قادرة على بناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.
من جانبه، أشار الأستاذ عمر بن ناصر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في برنامج الرياض آرت، إلى أن المشروع يمثل امتدادًا طبيعيًا لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مؤكدًا أن «لا فابريك/ المصنع» يسهم في تعزيز المنظومة الثقافية في الرياض، ويدعم مشهدها الإبداعي المتنامي عبر العمل التشاركي والانفتاح على التجارب الدولية.
نحو المستقبل في المحصلة، يمثل «المصنع» منصة طويلة المدى، تؤسس لاقتصاد معرفي وثقافي يرى في الفن قوة ناعمة واستثماراً مستداماً. إنها دعوة مفتوحة للجمهور لزيارة حي جاكس، ليس للمشاهدة فقط، بل للمشاركة في كتابة فصل جديد من فصول الرياض، المدينة التي آمنت بأن الثقافة هي روحها وقلبها النابض.
** **
إكس: AL_KHAFAJII