نجلاء العتيبي
أتصفَّح الإنترنت يوميًّا وأجدُ معلوماتٍ في شتَّى المجالات: علوم، تاريخ، صحة، اقتصاد، وفنون.. في كل مرة تظهر حقيقة جديدة تتناقض مع ما قرأته بالأمس.
تبدو كل محاولة لفهم الواقع كإمساك الرمل بين الأصابع لا يثبت سوى بعض الحُبيبات قبل أن تتلاشى بين الانطباعات السريعة والبيانات المتضاربة.
هذه التجربة اليومية تكشف تحديًا أساسيًّا لعصرنا، حيث الكم الهائل من المعلومات يتدفَّق بسرعة تفوق قدرة العقل البشري على التمييز والتحليل؛ ما يجعل الوعي أداةً أساسيةً للبقاء في فضاء معرفي مزدحم ومتقلِّب، فالوعي اليوم ليس رفاهية؛ إنه ضرورة.
فالإنسان لم يعد متلقيًا سلبيًّا للبيانات، بل هو مسؤول عن تصفية ما يصل إليه، وفهم سياقه، واستخلاص ما يضيف قيمة حقيقية إلى معرفته.
فالتفكير النقدي يسمحُ بتمييز المعلومات الدقيقة عن المغلوطة، والكشف عن التناقضات الخفيَّة، وتقييم المصادر بموضوعية، فكل قرار نتخذه يعتمد على قدرة الدماغ على تحليل هذه الكم الهائل من المقدمات والحقائق، ووضعها في إطار منطقي يعكس فهمنا للعالم.
والدماغ مهيأ للبحث عن الأنماط، لكنه مُعرَّض للتحيُّزات، فما يراه سريعًا منطقيًّا قد يكون إعادة ترتيب خاطئة للحقائق أو نتيجة تحيُّزات لغوية أو مصادر غير موثوقة؛ لذلك ليس كل ما يلمع أو ينتشر يستحق الثقة، فمعرفة المصدر، وتحليل البيانات، وفهم السياق يمثِّلان أدوات أساسية لتكوين رؤية واعية، والمعرفة الحقيقية تتجاوز جمع المعلومات؛ إذ تشمل إدراك العلاقات، والتنبؤ بالعواقب، وفهم التفاعلات بين الأحداث والظواهر.
فتصفح المعلومات يوميًّا يولد شعورًا مزدوجًا من جهة، ويثير الفضول ويحفّز على التفكير والاستكشاف، ويمنح العقل مساحة للإبداع؛ إذ يمكن ربط أحداث متفرِّقة وصياغة رؤية جديدة للعالم. ومن جهة أخرى، يسبب القلق والإرباك؛ إذ يواجه الفرد صعوبة في التمييز بين ما يستحق الاهتمام، وما هو متناقض أو غير مؤكد.
فالتجربة تكشف الفرق بين المعرفة الحقيقية والسطحية، بين الفهم العميق والانطباع اللحظي.
والعلم يقدِّم منهجًا صارمًا لفحص المعلومات والتحقق منها، فالتجارب، والأدلة، والمراجعة المنهجية تسمح بفهم أعمق للعالم، وتقي من الانقياد للبيانات الخاطئة أو المضلِّلة.
لكن العلم وحده لا يضمن الفهم الكامل؛ إذ يحتاج الإنسان إلى وعي داخلي، وقدرة على التفكير النقدي، ومهارة تحليل النتائج وربطها بالخبرة السابقة؛ هذه القدرة تمكن من اتخاذ قرارات مستقلة ومستنيرة في عالم متغير ومليء بالمعلومات المتضاربة.
فالوعي في زمن التناقض يحول الفرد من متلق سلبي إلى مشارك فعَّال في صناعة المعرفة، والإنسان يتعلَّم كيفية اختيار المصادر الموثوقة، ومراجعة ما يصدقه، ومقارنة النتائج باستمرار، فكل معلومة تصبح جزءًا من فهم أوسع تتفاعل مع التجارب الشخصية، وتدمج في إطار معرفي يحقق الفهم والإدراك، والقدرة على التمييز بين الحقيقة والضباب تمنح العقل مرونةً للتعامل مع التعقيد والضوضاء المعلوماتية، وتخلق مساحة للتفكير الحر، واتخاذ القرارات الذكية.
ومع كل تناقض جديد، وكل معلومة تتحدى ما اعتقدناه سابقًا يكتشف الإنسان حدود معرفته، وعمق تعقيد العالم، فتتشكل قدرته على تحويل الفوضى الداخلية إلى نظام واضح، وتحويل الحقائق المتضاربة إلى رؤى متماسكة؛ ما يجعل كل تحد فرصة للتعلّم والنمو، فتصبح المعرفة تجربة شخصية فريدة تمنح معنىً ووعيًا، وتتيح للإنسان التعامل مع عالم معقد بثقة وثبات.
ضـــــوء:
«لم يعد الإنسان يمرِّر المعلومات بلا وعي؛ يحولها إلى معرفة، يمنحها معنى في سياق حياته وتجربته، ويصوغ فهمه للعالم بأسلوب متفرِّد متماسك متوازن بين العقل والمنطق والإحساس، مستعد لمواجهة أي تناقض جديد بثبات ووعي كامل».