باسم سلامة القليطي
يختلط على كثيرين معنى الرضا، فيظنونه استسلاما للواقع، وتركا للسعي، وتبريرا للتأخر باسم التسليم. بينما الرضا في حقيقته أعمق من ذلك بكثير؛ هو طمأنينة القلب بقضاء الله، لا خمول العقل عن إصلاح الواقع. أن ترضى لا يعني أن تتوقف، بل أن تتحرك دون سخط، وأن تسعى دون اعتراض، وأن تعمل وأنت مدرك أن النتائج ليست كلها بيدك، لكن النية والجهد مسؤوليتك الكاملة. الرضا لا يلغي السؤال، ولا يُجرّم الطموح، بل يحرّره من التوتر والاحتقان.
وفي الجهة الأخرى، يُساء فهم الطموح كذلك، فيتحول من رغبة صحية في التحسّن، إلى حالة توتر دائمة، وسخط مستتر، ومقارنة لا تنتهي. الطموح الحقيقي لا يخاصم الرضا، بل يحتاجه ليبقى متزنا. أما الطموح الذي يولد من الشعور بالنقص الدائم، فهو لا يُشبع صاحبه، ولا يمنحه لذة الوصول، لأنه كلما بلغ هدفا نقل خط النهاية لمسافة أبعد.
كل نعمة في هذه الحياة تحمل في طياتها نقصا ما، وكل نقص قد يُخفي نعمة لا تُرى من النظرة الأولى.
الصحة قد تنقصها السكينة، والمال قد ينقصه الرضا، والوقت قد ينقصه المعنى. وفي المقابل، قد يحمل النقص وعيا، أو صبرا، أو نُضجا لم يكن ليولد في وفرة كاملة. الحياة لا تُدار بمنطق الاكتمال، بل بمنطق التوازن بين الاكتفاء والتطلّع، بين ما نملك وما نرجوه، دون أن نُهدر أحدهما على حساب الآخر.
الحكمة ليست في جمع النِعم، بل في إدراكها. في أن تُحسن استخدامها، وتتنعم بقليلها قبل كثيرها، وتشكر الله عليها بالفعل قبل القول. أن تُشارك منها من يحتاج، لا لأنك تملك فائضا، بل لأنك تُدرك أن البركة لا تأتي بالاحتكار. كثيرون يملكون أكثر، لكنهم أقل سكينة، لأنهم لم يتعلموا فن الاكتفاء الواعي، ولا لذة الامتنان الصادق.
قال ابن عطاء الله السكندري: »من تمام النعمة عليك أن يرزقك ما يكفيك ويمنعك ما يُطغيك».
كثير من المعاناة النفسية تنشأ حين تتسع الفجوة بين ما نعيشه وما نأمله. حين نريد أكثر مما نستطيع تحقيقه الآن، فنقسو على حاضرنا، ونجلد أنفسنا باسم الطموح. فيتحول الطموح إلى عبء، ويصبح الرضا كلمة منسية. ولهذا ترى بؤساً يحيط بحياة كثير من الناس رغم توفر الأسباب؛ لأن انعدام الرضا جعلهم لا يقنعون ولا يشبعون، في لهاثٍ دائم خلف المزيد، ينسون فيه ما يملكون، فيبتئسون لغياب الإحساس لا لغياب النعمة.
نبتئس لأننا لا نشعر بالنِعمة، ولا ندرك قيمتها، ولا نصل لما نلاحقه. والخلاصة أن الخلل ليس في الرضا ولا في الطموح، بل في فهمنا لهما. الرضا أرض ثابتة نقف عليها، والطموح أفق نتحرك نحوه، الرضا بلا سعي خمود، والطموح بلا رضا إنهاك. والحكمة أن نمشي بينهما بوعيٍ مطمئن: قلبٌ راضٍ، وعقلٌ يسعى، ونفسٌ تعرف متى تطلب، ومتى تحمد، ومتى تتوقف قليلا لتتنفّس.. ثم تواصل الطريق.