عمرو أبوالعطا
تُعدّ ليبيريا حالة فريدة في التاريخ الأفريقي الحديث؛ فقد تأسست في القرن التاسع عشر على يد عبيد مُحرَّرين من الولايات المتحدة، ما أفضى إلى نشوء نخبة حاكمة عُرفت باسم «الأمريكيين - الليبيريين». وبحلول عشرينيات القرن العشرين، ترسّخ انقسام بنيوي عميق بين هذه النخبة والسكان الأصليين الذين حُرموا فعليًا -لا نصًّا- من الوصول إلى الحقوق السياسية.
في هذا السياق، حكم تشارلز دي. بي. كينغ البلاد منذ عام 1920 ممثلًا لحزب «التريو» (True Whig Party)، الحزب الذي هيمن على الحياة السياسية الليبيرية منذ عام 1878، محولًا الدولة عمليًا إلى نظام حزب واحد.
مع اقتراب انتخابات عام 1927، سعى الرئيس كينغ إلى ولاية ثالثة في مناخ اتسم بندرة التنافس الحقيقي، وفي مواجهة السلطة القائمة، ترشّح توماس جيه. آر. فلكنر عن حزب الشعب (People’s Party)، حاملًا برنامجًا إصلاحيًا ركّز على مكافحة الفساد الإداري، وإصلاح قوانين العمل، وانتقاد نظام العمل القسري المفروض على السكان الأصليين، إضافة إلى المطالبة بقدر أكبر من الشفافية في إدارة القروض والعلاقات الدولية.
سبق يوم الاقتراع مناخٌ من التضييق على المعارضة وقيودٌ على حرية التعبير والتنظيم. كما كان نظام التسجيل الانتخابي شديد التقييد؛ إذ اقتصر حق التصويت عمليًا على الذكور من مالكي العقارات ودافعي الضرائب، وهو ما جعل قاعدة الناخبين محدودة للغاية وغالبًا من الأمريكيين - الليبيريين. ونتيجة لذلك، لم يتجاوز عدد الناخبين المسجّلين نحو 15 ألف ناخب في بلد قُدِّر عدد سكانه آنذاك بنحو 1.5 مليون نسمة.
على الرغم من الإبلاغ عن مخالفات واضحة يوم التصويت، جاءت النتائج الرسمية صادمة. فقد أعلنت اللجنة الانتخابية -الخاضعة لهيمنة الحزب الحاكم- فوز تشارلز دي. بي. كينغ بنحو 234 ألف صوت، مقابل قرابة 9 آلاف صوت فقط لمنافسه فلكنر. بدت هذه الأرقام غير معقولة؛ إذ تجاوزت بأضعاف عدد الناخبين المسجّلين، وفاقت أي تقدير منطقي لعدد المؤهلين للتصويت وفق معايير تلك الحقبة.
محليًا، رفض فلكنر النتائج ووصفها بأنها «مهزلة ديمقراطية»، وقدّم احتجاجًا رسميًا لم يُجدِ نفعًا في ظل سيطرة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة، فيما تعرّض أنصاره للمضايقات والترهيب.
دوليًا، أثارت الانتخابات استنكارًا واسعًا في الصحافة الأمريكية والبريطانية، وتراجعت الثقة في النظام السياسي الليبيري داخل الأوساط الدبلوماسية، ما رسّخ صورة الدولة بوصفها «جمهورية فاسدة» تحكمها نخبة مغلقة.
بسبب فداحة التلاعب، سُجّلت انتخابات ليبيريا لعام 1927 في موسوعة غينيس للأرقام القياسية بوصفها «الأكثر تزويرًا في التاريخ». وقد أصبحت هذه الواقعة مثالًا كلاسيكيًا يُستشهد به في أدبيات العلوم السياسية عند مناقشة حدود التزوير الانتخابي وفقدان الشرعية.
لم تكن فضيحة الانتخابات سوى حلقة ضمن سلسلة أوسع من الانتهاكات. ففي عام 1929، وتحت ضغط دولي متزايد، كلّفت عصبة الأمم لجنة تحقيق مستقلة -عُرفت باسم «لجنة كريستي» (Christy Commission) برئاسة الدكتور كوثبرت كريستي- للتحقيق في مزاعم العمل القسري والاتجار بالبشر.
كشف تقرير اللجنة الصادر عام 1930 عن تواطؤ رسمي في تجنيد العمال قسرًا ونقلهم إلى جزيرة فرناندو بو الخاضعة للحكم الإسباني، فضلًا عن استغلال الأطفال وتورّط مسؤولين كبار في الدولة، من بينهم نائب الرئيس آلن يانسي. كما وثّق التقرير تلقي رشاوى مقابل تسهيل ما وُصف بأنه شكل من أشكال العبودية الحديثة.
في مواجهة الضغط الدولي، والتهديد بعقوبات اقتصادية، والانهيار الكامل للشرعية، اضطر تشارلز دي. بي. كينغ إلى الاستقالة من منصبه في 3 ديسمبر 1930، ليصبح أول رئيس ليبيري يُجبر على التنحي تحت وطأة الفضيحة. واستقال نائبه آلن يانسي في اليوم نفسه، في سابقة هزّت أركان النظام الحاكم.
تولى إدوين باركلي الرئاسة عقب الاستقالة، واستمر حزب «التريو» في الحكم حتى انقلاب عام 1980، ومع ذلك، ظلّت سمعة ليبيريا الدولية متضرّرة لعقود، واستمر تهميش السكان الأصليين سياسيًا واقتصاديًا، ما ساهم في تراكم أزمات بنيوية لاحقة.
تكشف انتخابات 1927 عن ثلاث دلالات رئيسية: أولها أن الفضح الدولي قد يتحول إلى أداة ضغط فعّالة حتى على الأنظمة المغلقة؛ وثانيها أن التزوير الفاضح يفقد النظام أي غطاء قانوني أو أخلاقي؛ وثالثها أن الفساد البنيوي يقترن دائمًا بقمع المعارضة وإقصائها.
بعد قرابة قرن من الزمان، ما تزال فضيحة انتخابات ليبيريا 1927 حاضرة بوصفها تحذيرًا تاريخيًا بالغ الدلالة. فهي تذكّر بأن الديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل منظومة قيم ومؤسسات ورقابة. عندما تُفرغ الانتخابات من معناها، لا تتشوّه شرعية الحكم فحسب، بل تتآكل ثقة المجتمع الدولي وتُزرع بذور عدم الاستقرار لعقود طويلة.