د. ناهد باشطح
فاصلة:
«لست منزعجاً لأنك كذبت علي، لكنني منزعج لأنني لن أصدقك بعد هذه المرة».
-نيتشة-
* * *
بحث الفريق العلمي في أشهر المجلات الإخبارية الألمانية، مجلة «دير شبيغل» عن إجابة لسؤال مهم (لماذا تحقق الأخبار الكاذبة هذا النجاح الكبير؟).
استندوا إلى دراسات أجراها باحثون كثر، اكتشفوا أن الناس يصدقون أكثر من 20 % من الأخبار الكاذبة التي يقرؤونها، والسبب أن الأخبار الكاذبة تمتلك جاذبية خاصة لأدمغتنا، ولأننا لا نحب الشعور بالعزلة، نقتنع بما يتفق عليه الناس!
المفاجأة أن تصحيحنا للأخبار ليس كافياً لمكافحة التضليل فقد نشرت مجلة «SAGE Journals» تحليلا تجميعيا لدراسة مدى استمرار تأثير المعلومات المضللة في ظل تصحيحها، وكشف تجميع نتائج 32 دراسة (عدد المشاركين 6527) أن التصحيح، في المتوسط، لا يقضي تمامًا على تأثير المعلومات المضللة، وأن الرسائل التصحيحية تكون أكثر نجاحًا عندما تكون متماسكة، ومتوافقة مع رؤية الجمهور للعالم، ومقدمة من مصدر المعلومات المضللة نفسه.
وتكون التصحيحات أقل فعالية إذا نُسبت المعلومات المضللة إلى مصدر موثوق، أو إذا تكررت المعلومات المضللة عدة مرات قبل التصحيح، أو إذا كان هناك فارق زمني بين تقديم المعلومات المضللة والتصحيح.
الإشكالية أنه عندما يتم تصحيح معلومة خاطئة، فغالبًا ما تبقى في الذاكرة بشكل أقوى من التصحيح نفسه، وهذا ما تؤكده أبحاث التعلم بأن المعلومات التي نتلقاها أولًا تترسخ أكثر من غيرها، خاصة إذا كانت تتماشى مع قناعاتنا وهذا ما يجعل الأخبار الكاذبة فعّالة للغاية.
لكن وفقًا للعلماء في جامعة كامبريدج، فإن معرفة التكتيكات المستخدمة لنشر الأخبار المزيفة تساعد على مكافحتها، وهذا يحسن من قدرتنا على التعرف على المعلومات غير الموثوقة بنسبة تتراوح بين 20 إلى 25 في المئة.
وحين نتحدث عن معرفة التكتيكات فنحن نتحدث عن الوعي بأدوات نشر الأخبار الزائفة لتقوية جهاز المناعة الرقمي لدينا.
اعتقد أن مشكلتنا الأساسية في التهاون في تداول الأخبار قبل التحقق من صحتها مع أنه في ثقافتنا، نقل الخبر بلا تثبت قد يدخل في باب الإشاعة والبهتان وإيذاء الناس، فالتثبّت هنا ليس فقط مهارة إعلامية، بل قيمة سامية ومهمة التحقق من الأخبار الزائفة ليست مسؤولية الصحافيين فقط أو مؤسسات الدولة إنما هي واجب وطني لأن انتشارها يضعف الثقة في وسائل الإعلام، ويستنزف المؤسسات، ويتحوّل الرأي العام إلى موجات غضب، لذلك أصبح «كشف الزيف» جزءًا من الأمن المعرفي الذي يحمي عقل المجتمع من التلاعب المعلوماتي.
الخبر الزائف اليوم يضرّ بسمعة أشخاص، ويربك خدمات عامة، ويثير هلعًا صحياً أو اقتصادياً، وتداوله مسؤولية جسيمة.
قبل وجود مواقع التواصل الاجتماعي كان المواطن لا يتحمل مسؤولية نشر الأخبار لأنها تظل على نطاق ضيق، لكن اليوم أصبح المواطن شريكاً في المسؤولية ما دام نشرها على الملأ.
الواجب الوطني هو ما ينبغي أن نفعله كمواطنين أو مقيمين لأن أثره لا يخص الفرد وحده، بل ينعكس على الناس والبلد.
ويدفعنا إلى ذلك المصلحة العامة قبل المصلحة اللحظية، ومنع ضرر الآخرين ودعم الثقة العامة بالمعلومة والمؤسسات والناس.
وهذا يسهم في حماية سمعة الأفراد والمؤسسات، ويصون البيئة المعلوماتية التي يعتمد عليها المجتمع لاتخاذ قراراته.
الواجب الوطني ليس شعارًا يُقال، بل سلوك يَحمي المصلحة العامة ويمنع الضرر؛ يبدأ من احترام النظام، ويمتد إلى صون الوعي الجمعي من التضليل، لأن من يحمي الحقيقة يحمي الوطن..
ولدينا منهج رسمي في التواصل والرد السريع عبر قنوات الجهات الحكومية وحساباتها الموثقة فيما يختص بالأخبار الزائفة.
بقي أن تضطلع مؤسسات المجتمع المدني بتوعية أفراد المجتمع بخطورة تداول الأخبار الزائفة وأن يتحمل الفرد المسؤولية.
فقط اسأل نفسك قبل أن تشارك الآخرين على منصات التواصل الاجتماعي أي خبر من المصدر؟ حساب موثق أم مجهول؟
هل توجد جهة رسمية ذكرت الخبر؟
الصورة أو الفيديو هل هو قديم؟ هل فيه اقتطاع؟
لغة الخبر هل فيها تهويل واتهامات بلا دليل؟
على الأقل قبل أن تنشر الخبر، أبحث بجملة واحدة من نص الخبر في جوجل.
وقتها تكون قد قمت بواجب وطني تستحقه بلادك.