منصور بن صالح العُمري
هنا...
حيث يصمت الكلام إجلالًا،
ويتهيب الزمن أن يمرّ مسرعًا
بين أنفاسٍ غاليةٍ أرهقها العمر ولم يُطفئ نورها،
لا تقف لتؤدي واجبًا،
بل تدخل محرابًا لا يدخله إلا من اختارهم الله للوفاء.
أنت الآن
لست ابنًا فحسب،
أنت الحارس الأخير لعمود خيمتك،
وسادن الذكريات التي كبرت قبلك،
وأمين سرّ الحبّ الذي لا يهرم.
حين تمتد يدك
لتمسح جبينًا خطّت عليه السنون حكايات صبرها من أجلك،
أو تُسند ظهرًا كان يومًا
الجبلَ الذي احتمت به الحياة في عينيك،
فاعلم...
أنك لا تلامس بشرًا،
بل تلامس أطراف الجنة.
هذا الضعف الذي تراه فيهما اليوم
ليس انطفاءً،
بل امتحانًا للعشق الخالص،
واختبارًا لصدق الدم الذي يجري في عروقك،
وبرهانًا أن البرّ
لا يُعرف في زمن القوة،
بل يُولد حين تضعف الأجساد
وتسمو الأرواح.
تأمّل بقلبك...
كلّ ليلةٍ تسهرها بجانب سريرهما
هي آية صامتة تُتلى في ديوان عمرك.
وكلّ جرعة ماءٍ ترفعها إلى شفتيهما
هي غيثٌ خفيّ
يروي قلبك قبل أن يبلّ ظمأهما.
لا تُسمِّ تعبك بذلًا،
فالبذل اختيار،
وأنت هنا اصطفاء.
اختارك الله
لتكون الظلّ حين يشتد الهجير،
والسند حين ينحني الظهر،
والطمأنينة الأخيرة
لمن كانا لك أول أمان.
واحتسب... واثبت في محراب الصبر:
احتسب ضعفك،
فكل وهنٍ يمسّ جسدك في خدمتهما
هو رفعة تُسكب في روحك عند ربك.
واحتسب دمعتك المكتومة،
فالله يرى احتراق القلوب،
ويُدّخر لك من الجبر
ما لو انكشف ستره
لذاب وجع السنين دفعةً واحدة.
احتسب تفويت موعد طال انتظارك له
لتحضر موعداً مع الكرام الكاتبين
يدونون في صحيفتك أجمل مواقف البر.
واحتسب انحناءة ظهرك
حين يثقل المرض،
فليست كل انحناءة هوانًا،
بعضها عروجٌ
لا يُنال إلا بالانكسار لله.
يا رفيق هذا الطريق...
الوالدان في ضعفهما
بابان مواربان للخلود،
ورحمة تمشي على قدمين واهنتين.
فلا تمرّ بهما مرور العابرين،
ولا تُغلق الباب بعجلة المنتظرين.
كن لهما
العينَ التي ترى الأمل حين يغشاه الوجل،
واليدَ التي تمسح الخوف قبل الدمع،
والقلبَ الذي لا يضيق
ولو ضاق العالم بأسره.
وتذكّر دائمًا...
أنك حين تخدمهما
لا تردّ جميلًا
- فجميل الوالدين لا يُرد -
ولكنك تفي بعهد الروح،
وتحفظ ميثاق الفطرة،
وتتشبّث بحبلٍ
ينبت أرض دعائك المتعب
في سماء الرضا.