د. إبراهيم بن جلال فضلون
حين يبتلع الأمن الاقتصاد، يدفع العالم كلفة فشل إدارة الاستقرار، وكما قال توماس جيفرسون: «الاقتصاد هو العلم الذي يعلّم الإنسان كيف يستخدم موارده المحدودة لتحقيق أهدافه اللامحدودة»، و»أي إخلال في الحرية الاقتصادية ينعكس تلقائياً على بنية الاستقرار السياسي» فريدريك هايك. بهاتين العبارتين يمكن مقاربة التحول الجاري في الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد السؤال محصوراً في حجم الإنفاق أو اتجاهات النمو السوقى، بل في قدرة الدول على إدارة التوازن بين مُتطلبات الأمن وكُلفة المال في مرحلة يتراجع فيها اليقين الاقتصادي، وترتفع فيها كلفة الاستقرار الجيوسياسي. فالعالم يدخل طوراً جديداً تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع القرارات المالية، وتصبح فيه الموازنات العامة أدوات ردع بقدر ما هي أدوات تنموية.
حقيقة أعمق:
ما يشهده الاقتصاد العالمي اليوم نتاج مباشر لتحول هيكلي في أولويات الدول الكبرى والسيطرة على نفوذها في غابات موحشة، ففي الوقت الذي ترفع فيه أوروبا وكندا إنفاقهما العسكري وتعيدان بناء القدرات الدفاعية والجيوش الاحتياطية، يجد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفسه أمام وضع غير مألوف دفعه إلى خفض أسعار الفائدة عدة مرات بلا جدوى، رغم استمرار الضغوط التضخمية. وهو ما نعتبره اقتصادياً تناقضا ظاهريا يعكس حقيقة أعمق، مفادها أن أدوات السياسة النقدية خلعت عباءتها وباتت تعمل في بيئة لم تُصمم لها، حيث لم يعد التضخم ناتجاً من الطلب الاستهلاكي بقدر ما هو نتيجة اختلالات في العرض، وسلاسل الإمداد، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الدفاعية، لاسيما حين تُعيد الدول ترتيب أولوياتها من الاستثمار المدني إلى الأمن العسكري، فهي لا تغيّر بنود الموازنات فقط، بل تعيد توجيه حركة رأس المال العالمية.
فالإنفاق العسكري لا يولّد طاقة إنتاجية مدنية قابلة للتراكم، بل يسحب الموارد من قطاعات البنية التحتية، ويحوّل المواد الخام والتكنولوجيا إلى أدوات ردع لا أدوات نمو، ومع اتساع هذا النمط، تتشكل ضغوط تضخمية هيكلية يصعب احتواؤها عبر أسعار الفائدة، لأنها ناتجة من ندرة المدخلات لا من فائض السيولة.
الأرقام خلال الفترة بين 2010 و2023 تظهر بوضوح هذا الاتجاه. فقد ارتفع الإنفاق العسكري العالمي من نحو 1.6 تريليون دولار إلى أكثر من 2.4 تريليون دولار، بينما بقي الإنفاق المدني في الاقتصادات المتقدمة أقل ديناميكية كنسبة من الناتج المحلي، فالولايات المتحدة رفعت إنفاقها الدفاعي من قرابة 700 مليار دولار إلى ما يزيد على 860 ملياراً، فيما انتقلت دول أوروبية عدة إلى مستويات إنفاق دفاعي تقترب من 2 % من الناتج المحلي، في تحول يعكس انتقالاً فعلياً إلى ما يمكن وصفه باقتصاد طوارئ دفاعي طويل الأمد.
شرق أوسطيًا:
اكتسب هذا التحول بعداً إضافياً مع تصاعد التهديدات البحرية، وتطورات اليمن الأخيرة، وضرب الناقلات الإماراتية، وما حملته من رسائل مباشرة تتعلق بأمن الطاقة والممرات الاستراتيجية. هذه الأحداث أعادت تثبيت حقيقة أن أمن الخليج ليس ملفاً إقليمياً مغلقاً، بل عنصر استقرار أساسي في النظام الاقتصادي العالمي، وهو ما وضع المملكة العربية السعودية في موقع محوري لا يمكن تجاوزه.
المملكة أمن واقتصاد:
الدور السعودي في هذه المرحلة لا يقوم على رد الفعل، بل على إدارة واعية لمعادلة الأمن والاقتصاد؛ فالإنفاق الدفاعي السعودي، الذي تجاوز في السنوات الأخيرة 70 مليار دولار سنوياً، لا يمكن فصله عن استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء قدرة أمنية ذاتية، وتوطين الصناعات العسكرية، وربط الأمن بالاقتصاد الوطني لا بعقود الاستيراد وحدها. هذا التوجه يهدف إلى احتواء كلفة الأمن داخل الدورة الاقتصادية، بدل أن تبقى عبئاً صافياً على المالية العامة، في ذات السياق تتحرك الرياض على مستوى الشراكات الدولية بمنطق التوازن لا الاستبدال.
الاتفاقيات الأخيرة مع الولايات المتحدة في مجالات الدفاع والتكنولوجيا المتقدمة تعكس استمرار الشراكة الأمنية التقليدية، لكن توسيع التعاون مع الصين في الطاقة والبنية التحتية، ومع روسيا في أسواق النفط والتنسيق الإنتاجي، يعكس إدراكاً بأن عالم الضمانات الأحادية يقترب من نهايته. هذا التنويع لا يحمل طابع المواجهة، بل يهدف إلى تخفيض كلفة الارتهان ورفع هامش المناورة في بيئة دولية شديدة التقلب.
التحدي الحقيقي:
اقتصادياً، يمنح هذا الدور السعودية قدرة على امتصاص الصدمات بشكل أفضل من كثير من الاقتصادات الأخرى. فارتفاع الإنفاق العسكري العالمي يدعم الطلب على الطاقة، ما يوفّر إيرادات مستقرة نسبياً، في وقت تسمح فيه الإصلاحات المالية وبناء الاحتياطيات بتخفيف أثر التقلبات النقدية العالمية.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في ضبط العلاقة بين الإنفاق الأمني والاستثمار التنموي، بحيث لا يتحول الأمن إلى عنصر مزاحم للنمو طويل الأجل.
خليجياً: بالنسبة إلى دول الخليج عموماً، فإن التحول الجاري يعيد تعريف مفهوم الأمن من كونه مسألة عسكرية إلى كونه منظومة تشمل أمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، والاستقرار المالي، والأمن السيبراني، والقدرة على الحفاظ على الثقة الاستثمارية.
وفي عالم يتراجع فيه اليقين الاقتصادي، تصبح الدول القادرة على إدارة هذا التداخل بين الأمن والمال نقاط ارتكاز للنظام الدولي، لا مجرد أطراف متأثرة بتقلباته.
مسارات متوازية:
التوسع الدفاعي في الغرب، والتيسير النقدي الأميركي، وصعود الدور السعودي كعامل استقرار إقليمي، ليست مسارات متوازية بل عناصر في دورة واحدة تعكس انتقال العالم إلى مرحلة ترتفع فيها كلفة الأمن ويتراجع فيها وضوح الأفق الاقتصادي. وفي هذه المرحلة، لا تقاس القوة بحجم الإنفاق، بل بقدرة الدول على إدارة التوازن بين حماية الأمن ومنع تآكل الأسس الاقتصادية.
وفي عالم تتآكل فيه اليقينيات بسرعة، تصبح القيمة الاستراتيجية الأهم هي القدرة على الوقوف في المسافة الفاصلة بين الأمن والمال من دون فقدان التوازن. وكما قال بنجامين فرانكلين: «الاستعداد للأمن لا يجب أن يأتي على حساب القدرة على الازدهار». وهي معادلة لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل شرط عملي للبقاء في نظام دولي يعاد تشكيله بهدوء، وبكلفة متصاعدة.