محمد بن عيسى الكنعان
المجال هنا لا يتسع لاستعراض مراحل تاريخ اليمن فضلًا عن تفصيل مسيرته، لكن ما يهمنا هو أن نقف على فترة مهمة وحرجة تتمثل بتاريخ اليمن المعاصر منذ الحكم العثماني، وقدوم الاستعمار الأوروبي، الذي جثم على صدر اليمن الجنوبي العام 1839م عندما قامت بريطانيا باحتلال عدن وجعلها مستعمرة ذات حكم مباشر، وإخضاع المناطق الغربية والشرقية من جنوب اليمن لإشرافها.
وقد كان هدف هذا الاحتلال هو تأمين طريق الملاحة إلى الهند، وتموين السفن بالوقود عبر عدن. في المقابل لم يخضع اليمن الشمالي للاحتلال الغربي، إنما العثماني على فترتين تاريخيتين.
الأولى بدأت عام 1538م واستمرت قرابة 100 عام إلى أن نجح اليمنيون بقيادة الزيديون من طرد القوات العثمانية عام 1635م ومن ثم قيام الدولة القاسمية. إلا أن العثمانيين عادوا مرةً أخرى بعد قرنين، وتحديدًا عام 1849م - وهي الفترة الثانية - التي جاءت بعد الاحتلال البريطاني لعدن.
وكما عمل أسلافهم قام اليمنيون بمحاربة الوجود العثماني حتى تم توقيع اتفاقية عام 1911م بين الإمام يحيى حميد الدين والدولة العثمانية، بموجبها يحكم الإمام المرتفعات الشمالية، بينما تبقى القوات العثمانية في المناطق الساحلية، غير أن هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أجبرها على سحب قواتها من اليمن عام 1918م، فأعلن الإمام يحيى قيام (المملكة المتوكلية) بكل الشمال اليمني.
ومنذ ذلك التاريخ عملت بريطانيا - التي تحتل الجنوب - على منع وصول نفوذ المملكة المتوكلية إلى التراب اليمني الجنوبي. ولكن مع ظهور المد القومي الناصري منتصف القرن العشرين الميلادي بدأت تختل المعادلة اليمنية، فقد تسربت الأفكار الناصرية ذات البُعد القومي المخادع إلى الأوساط الاجتماعية والنخب الثقافية اليمنية من خلال ترويج فكرة الجمهورية، حتى قامت ثورة عسكرية بحاضنة شعبية ضد الحكم الإمامي (المملكة المتوكلية)، وأعلنت الجمهورية برئاسة عبد الله السلال في (26 سبتمبر 1962م)، إلا أن الصراع استمر بين دعاة الجمهورية وأتباع الإمامية حتى انتهى العام 1970م بإعلان قيام الجمهورية اليمنية شمال اليمن؛ حيث تولى رئاستها إبراهيم الحمدي الذي اغُتيل بظروف غامضة عام 1977م، ثم تولى بعده أحمد الغشمي الذي اغتيل هو أيضًا بعد ثمانية أشهر، فتم تشكيل مجلس رئاسي مؤقت برئاسة عبد الكريم العرشي إلى أن تم انتخاب علي عبد الله صالح (عفاش) رئيسًا للجمهورية في العام 1978م، والذي استطاع أن يفرض سيطرته على اليمن الشمالي.
في مقابل ذلك؛ كان اليمن الجنوبي تحت الاحتلال البريطاني؛ حيث انطلقت الثورة الجنوبية من جبال ردفان بقيادة (الجبهة القومية للتحرير) يوم 14 أكتوبر 1963م واستمرت الثورة أربع سنوات، تم خلالها السيطرة على حضرموت بشقيها (السلطنة القعيطية وعاصمتها المكلا)، و(السلطنة الكثيرية وعاصمتها سيئون)، إلى أن أُجبرت القوات البريطانية على الجلاء في 30 نوفمبر 1967م، وهو يوم إعلان جنوب اليمن دولة مستقلة باسم (جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية)، وذات توجه اشتراكي بحكم تأثر أغلب قادتها بالشيوعية.
غير أن الثورة عادةً تأكل أبناءها بسبب المطامح السياسية، فقد نشب الصراع على السلطة داخل الجبهة القومية بين الناصريين والشيوعيين عام 1969م حيث أُطيح بحكم قحطان الشعبي، وهو من مؤسسي الجبهة القومية وقارئ إعلان الاستقلال، فخلفه بالرئاسة سالم ربيع علي (سالمين)، وهو ناصري قومي، وقد استمر رئيسًا حتى العام 1978م، إلى أن انقلب عليه رفيقه بالحزب الاشتراكي عبد الفتاح إسماعيل وهو شيوعي متطرف. ومن ذاك التاريخ سيطر الحزب الاشتراكي على اليمن الجنوبي، وحوّل بوصلته السياسية بشكل كامل إلى المعسكر الشيوعي المتمثل بالاتحاد السوفيتي، ووثق علاقته معه بشراكات استراتيجية. إلا أن حُكم عبد الفتاح لم يتجاوز ثلاث سنوات فقد أجُبر على الاستقالة فغادر إلى موسكو، وتولى الرئاسة علي ناصر محمد عام 1980م، إلا أن عودة عبد الفتاح إسماعيل من الاتحاد السوفيتي عام 1985م تسببت في انفجار الصراع مجددًا بين الشيوعيين، بين جناح علي ناصر محمد (الحكم)، وجناح عبد الفتاح إسماعيل وعلي عنتر (المعارضة)، الذي يُعرف بـ(أحداث 13 يناير 1986م) الدامية، انتهى بخروج الطرفين من اليمن. في هذه الفترة المضطربة تولى الرئاسة علي ناصر البيض (أمين عام الحزب الاشتراكي الجنوبي) حتى 1990م، خلال هذه الفترة تفكك الاتحاد السوفيتي، وحدثت أزمة اقتصادية حادة بالجنوب اليمني، أدت إلى اضطرابات داخلية؛ فوجد البيض أن المخرج يكون بالاتفاق مع علي عبد الله صالح بالشمال، فاتفقوا على الوحدة اليمنية، وبالفعل وقّعت اتفاقية الوحدة، بموجبها يكون علي عبد الله صالح رئيسًا، وعلي ناصر البيض نائبًا للرئيس للجمهورية اليمنية. في بداية سنواتها الأولى تعرضت الوحدة اليمنية لتحد كبير، فقد دبّ الخلاف بين الرئيس (صالح) ونائبه (البيض) عام 1993م، تطور إلى أزمة سياسية شديدة، أدت إلى إعلان البيض فك الارتباط بين جنوب اليمن وشماله، فاندلعت حرب الوحدة عام 1994م؛ حيث تمكنت قوات علي عبد الله صالح -مدعومة بحلف قبائل وقوى جنوبية- من هزيمة قوات البيض، ودخول عدن في 7 يوليو 1994م، فتحققت الوحدة بشكل فعلي، ولجأ علي ناصر البيض إلى سلطنة عمان ثم غادرها إلى أوروبا. بعد هذه الحرب التي عزّزت وحدة اليمن أحكم علي عبد الله صالح سيطرته السياسية وقبضته الأمنية على اليمن.
ولكن في مطلع الألفية الثالثة بدايةً من 2004م اندلعت حروب صعدة الست بين القوات اليمنية والحوثيين (جماعة الشباب المؤمن)، انتهت عام 2010م بمقتل حسين الحوثي مؤسس الجماعة.
خلال هذه الفترة ظهر ما يسمى (الحراك الجنوبي) عام 2007م الذي بدأ سلميًا ثم تحول إلى حركة سياسية تُطالب بتقرير مصير اليمن الجنوبي. وقد ركب موجة هذا الحراك علي ناصر البيض الذي عاد من أوروبا واستقر بالإمارات، وعيدروس الزبيدي الذي كان قد أسس حركة تقرير المصير (حتم) عام 1996م، وهي حركة سرية كانت تهدف إلى استعادة دولة اليمن الجنوبي، خاصةً أنه ممن شارك في القتال إلى جانب البيض بحرب الوحدة.
إلا أن التحول الكبير في المشهد اليمني كان العام 2011م ضمن أجواء ما يسمى (ثورات الربيع العربي)، بخروج مظاهرات شبابية تحولت إلى ثورة شعبية ضد حكم علي عبد الله صالح، انتهت إلى قبول المبادرة الخليجية التي تقضي بنقل السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي مقابل حصانة من الملاحقة القانونية.
استتبت الأمور على هذا النحو، إلا أن الحوثيين غدروا بالجميع وسيطروا على صنعاء عام 2014م ضمن مشروع الهيمنة الإيرانية على المنطقة العربية، وذلك بحِلف خفي مع علي عبد الله صالح. إزاء هذا الموقف الغادر طلبت الحكومة الشرعية اليمنية تدخل التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية وفق قرارات الأمم المتحدة (قرار 2216)، فكانت عاصفة الحزم عام 2015م لحماية الشرعية، وهو ما دفع صالح والحوثي إلى إعلان حلفهما، كما أسُست في نفس العام المقاومة الجنوبية بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي تم تعيينه من قبل الحكومة الشرعية محافظًا لعدن. في العام التالي أسس صالح والحوثي (المجلس السياسي الأعلى) تأكيدًا للشراكة السياسية والتعاون العسكري.
غير أن وتيرة الأحداث اليمنية تسارعت بشكل أكبر خلال العام 2017م؛ ففي شهر مايو أقُيل الزبيدي من منصب محافظ عدن، فأسس (المجلس الانتقالي الجنوبي)، وهو كيان سياسي يهدف إلى فصل الجنوب اليمني عن الجمهورية اليمنية، وفي ديسمبر من نفس العام تفكك حلف صالح وجماعة الحوثي، ما نتج عنه مقتل علي عبد الله صالح على يد مسلحي الجماعة في صنعاء. وبهذا استفرد الحوثي بصنعاء ودخل في حروب مع القوات الشرعية وقوات المجلس الانتقالي، في ظل هذه الأحداث وقع نزاع عسكري في أغسطس من عام 2019م بين قوات الشرعية اليمنية وقوات المجلس الانتقالي، إلا أن اتفاق الرياض الذي جرى بعدها بثلاثة أشهر (نوفمبر) وحدّ جبهة (الشرعية والانتقالي) من جديد ضد الحوثي، أعقبه تشكيل حكومة المناصفة بمشاركة الانتقالي عام 2020م بناءً على اتفاق الرياض، ثم كان الحدث الأبرز بتشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022م، ممثلًا للحكومة الشرعية برئاسة الدكتور رشاد العليمي، وذلك بعد نقل صلاحيات الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي إلى هذا المجلس وفق اتفاق الرياض، وانضمام قادة المجلس الانتقالي إليه، حيث أصبح عيدروس الزبيدي نائبًا للدكتور العليمي. لكن الزبيدي - وبدعم إماراتي - انقلب على الشرعية اليمنية (مجلس القيادة الرئاسي) بالسيطرة العسكرية على محافظتي حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025م، والتمهيد لانفصال جنوب اليمن، إلا أن التحالف العربي بقيادة المملكة استطاع أن يُعيد الأمور إلى نصابها، ويضع حدًا لهذا العبث الذي يتجاوز اليمن إلى تهديد الأمن الوطني السعودي، وذلك من خلال دعم قوات الشرعية اليمنية (درع الوطن) لبسط نفوذها على كل محافظات الجنوب اليمني وهو ما حدث بالفعل.