جمال المرشدي
في عالمٍ يتسارع فيه الضجيج، وتتشابك فيه المصالح، ويُخيل للبعض أن الدهاء والمكر هما المفتاحان الوحيدان للنجاة والوصول، تظل «النية الحسنة» هي العملة الصعبة التي لا تخسر قيمتها أبداً. قد يبدو للوهلة الأولى أن صاحب القلب النقي هو الحلقة الأضعف، أو أنه ذاك الذي يُترَك خلف الركب، لكن الحقيقة التي تثبتها الأيام هي أن النوايا الصادقة تمتلك «نَفَساً طويلاً» لا يملكه غيرها.
ونستذكر قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». هذا الحديث العظيم لا يضع لنا معياراً أخلاقياً فحسب، بل يرسم لنا قانوناً حياتياً شاملاً؛ فجودة عملك، وقيمته، وأثره في الناس، وحتى جزاؤه عند الخالق، كلها أمور مرهونة بتلك «المضغة» القابعة في صدرك. فإذا صلحت النية، بارك الله في الجهد ولو كان يسيراً. النية كبوصلة خفية
النية ليست مجرد فكرة عابرة، بل هي البوصلة الخفية التي توجه أقوالنا وأفعالنا. عندما تزرع بذرة في الأرض، أنت لا ترى ما يحدث تحت التراب، لكنك تثق بأن الطبيعة تعمل لصالحك. كذلك هي النية الحسنة؛ فهي تعمل في «الخفاء» الكوني، ترتب لك الأحداث، وتجمعك بالأشخاص الذين يشبهون نقاءك، وتبعد عنك ما لا يليق بصفاء قلبك، حتى وإن بدا الحرمان في البداية مؤلماً.
قد يمر الإنسان بمواقف يُساء فيها فهمه، أو يُجازى على إحسانه بالإساءة، وهنا يبرز الاختبار الحقيقي: فيما تتغير النية تماًشياً مع قسوة الواقع، المنتصرون حقاً هم أولئك الذين رفضوا أن يتلوث نقاؤهم برداءة أفعال الآخرين. إن الانتصار الذي نتحدث عنه هنا ليس دائماً انتصاراً مادياً فورياً، بل هو انتصار النفس على مخاوفها، وانتصار الطمأنينة على القلق. فالشخص الذي ينام وقرار عينيه أنه لم ينوِ سوى الخير، يمتلك ثروة لا يدركها أصحاب النوايا الملتوية.
يقول المثل الشعبي: «على نياتكم ترزقون»، وهذا ليس مجرد تفاؤل، بل هو قانون حياة. فالزمن كفيل بغربلة الأشخاص والمواقف؛ فالمكاسب القائمة على الخداع تتبخر كالدخان مهما بدت ضخمة، بينما الأعمال النابعة من نية طيبة - مهما صغرت - تنبتُ بركة وتؤتي أكلها كل حين. إن النوايا الحسنة هي الاستثمار الوحيد الذي لا يعرف الخسارة. قد تتأخر النتائج، وقد يزدحم الطريق بالعقبات، ولكن في نهاية المطاف، ينجلي الغبار ليبقى أصحاب الوجوه البيضاء والقلوب الطاهرة في الصدارة. كن طيب النية، ليس لأن الناس يستحقون، بل لأنك أنت تستحق أن تعيش بسلام.
تذكر دائماً: النية الطيبة لا تحتاج إلى محامٍ يدافع عنها، فالزمن هو خير شاهد، والنتائج هي خير دليل.